ملفات خاصة

حوار شامل مع منسق «بيت العائلة»

د. عبد العاطي يُحذِّر من توظيف التراث لبث الفتن الطائفية

     القرآن يدعو الناس إلى العيش في سلم وسلام ومحبة ومودة وإخاء

الجماعات الإرهابية توظف التراث للوقيعة بين أبناء المجتمع الواحد

أصحاب الدعوات الباطلة يلجأون إلى نصوص دينية لتبرير إجرامهم

الجهاد في الإسلام أوسع من إراقة الدماء ويكون بالكلمة أو الدعوة

العبادات ليست مقصودة بذاتها وإنما شرعت من أجل إعمار الأرض

حذَّر المنسق العام لبيت العائلة المصرية، د. محمد عبدالعاطي، من محاولات بث الفتن الطائفية التي تلجأ إليها جماعات التطرف من خلال توظيف التراث في غير محله.

جاء ذلك في حوارٍ شامل معه أجراه «التنوير»، حيث طالب د. عبد العاطي بضرورة العودة إلى القرآن الكريم من أجل معالجة المشكلات التي نُعاني منها مجتمعاتنا ومواجهة الأفكار المتطرفة المنتشرة بقوة.

وإلى نص الحوار..

  • بصفتك منسقًا عامًا لبيت العائلة المصرية.. كيف ترى محاولات بث الفتن في المجتمع؟

–       الفتن هي إحداث نوع من القطيعة أو الخصام بين أبناء الوطن الواحد. وهي ورقة يلعب بها الذين يريدون ضرب الدول، فيتحدثون عن الفتن الطائفية، ثم تُغذي هذا من قِبل أناس قد تستأجرهم من هنا أو من هناك، مثل أقباط المهجر أو جماعة الإخوان الإرهابية أو داعش أو القاعدة.

فهؤلاء يُحدثون نوعًا من الخصام والشقاق يتحوَّل سريعًا بين العوام إلى الفتن التي تؤدي إلى مشاحنة ومقاتلة وسفك دماء.

لكني أرى أنَّ الفتن لن تحدث في ظل وجود المثقفين ممن لديهم من الوعي والفهم ما يؤهلهم أن يقودوا المجتمع إلى بر الأمان.

  • وماذا عن محاولات إحداث حالة من حرب الأديان؟

–       الأديان كلها من عند الله عز وجل، فالنصوص المقدسة تتكامل وتتنوع ولا تتعارض أو تتناقض، ففي القرآن الكريم نقرأ في سورة العنكبوت قول الله تعالى: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (العنكبوت: 46).

ونقرأ أيضًا قوله سبحانه وتعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ» (المائدة: 82).

وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (الحج: 17).

فالله هو الذي يفصل بين الناس يوم القيامة، فهذا هو ما تعلمناه من ديننا. ونجد أنَّ النصوص في المسيحية أيضًا لا تدعو إلى حروب مع المسلمين، لأن المحبة هي أساس الأديان.

  • وكيف ترى قيام البعض باستخدام المرويات والإسرائيليات وتأويل معاني القرآن الكريم من أجل تبرير قتل الأبرياء وإحداث الفوضى في المجتمع؟

–       صاحب أي دعوة باطلة وأي سلوك خاطئ يُريد أن يجعل لسلوكه مرجعية يستند إليها، فيرجع إلى نص يعتبره مقدَّس لتبرير جرائمه، وهم يكذبون كذبًا صريحًا ومفضوحًا، لأن الله عز وجل عندما خلقنا ونوَّع بيننا في الطوائف والألسن والخِلقة كان للتعارف فقال «لتعارفوا» ولم يقل لتقاتلوا.

قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13).

وذلك في الجماعات المتطرفة في جميع الشرائع والطوائف، ونرى ما يفعله الهندوس في المسلمين وغيرهم.

فالذين يتبنون الخطاب العنيف ويدَّعون أنهم يستندون إلى نصوص مقدسة، يكذبون لأن الأديان لا تدعو أبدًا إلى إراقة الدماء، وهؤلاء الإرهابيون استندوا إلى تراثٍ وضع في وقته لحل مشكلة في عصره فسحبوه من زمانه ومكانه وبيئته وأرادوا تطبيقه على زمانٍ غير الزمان ومكانٍ غير المكان ومشكلة غير المشكلة، فضلوا وأضلوا.

  • كيف ترى تحريفهم للمعنى الحقيقي لمفهوم الجهاد؟

–       الجهاد في الإسلام مفهوم أوسع من إراقة الدماء والقتل؛ فمعناه أنَّه قد يكون جهادًا بالكلمة وقد يكون بالدعوة، فيقول الله: «فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا» (الفرقان: 52)، فـ«به» المقصود منها القرآن الكريم.

فهو إفراغ الجهد في تنفيذ أمر ما أو الحث على أمر ما أو الدعوة لشيء، أمَّا قصر الجهاد على القتال فهو خطأ كبير، لأنَّه لم يشرع إلا للحفاظ على قيمة الدين والنفس والدفاع عنها.

قال تعالى: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» (الحج: 39).

وكذلك الذين يُقاتلوننا أمرنا الله بأن نقاتلهم بغير أن نعتدي، فقال سبحانه وتعالى «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (البقرة: 190).

فأدبيات القتال في الإسلام تُمثِّل أرقى أنواع الأخلاق، لأنه لا يدعو إلى قتال إنما يدعو إلى سلام وإذا شُرع القتال في الإسلام فشرع من أجل الحفاظ على السلام والإسلام.

  • وما هو منهاج القرآن الكريم لمواجهة الاقتتال والانقسام و الفتن بين المسلمين في الوقت الحالي؟

–       القرآن الكريم عبارة عن 6236 آية، وهذه الآيات من أولها إلى آخرها إذا قرأناها لن نستطيع أن نستخرج منها آية واحدة تحث الناس على سفك الدماء بغير وجه حق، بل نستخرج منها ما عُرف بعد ذلك بمقاصد الشريعة الإسلامية وهو الحفاظ بوجه عام على الدين وحفظ النفس وحفظ العقل والعِرض والمال، فهذه هي التي جاء الإسلام ليُحافظ عليها.

إذًا فأول مقصد هو حفظ الدين وثانيها هو حفظ النفس، فكيف يدعو الإسلام إلى إراقة الدماء بغير وجه حق؟!

ولعل الذي يفعله الدواعش وغيرهم من إراقة الدماء باسم الدين، الإسلام منهم براء فهم يسيرون عكس اتجاه مقاصد الشريعة الإسلامية.

وعندما نقرأ آيات القرآن الكريم نجد أنَّ الإنسان ليس مُخوَّلًا له أن يقتل أحدًا على الإطلاق إلَّا على سبيل الخطأ ثم بيَّن مخارج العقوبة والجزاء على هذا القتل الخطأ ثم عقب هذه الآية يقول الله: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» (النساء: 93).

فهناك عقوبات مترتبة على قتل الإنسان لأخيه دون وجه حق. ثم تبين بعد ذلك الآيات أن الذي يقتل نفسًا بغير وجه حق كأنما قتل الناس جميعًا.

فقال تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ» (المائدة: 32).

هذه الآيات تُبين أن حقن الدماء هو مقصد من مقاصد الشريعة وحفظ النفس هو مقصد من مقاصد الدين، ونقرأ في القرآن «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (المائدة: 33).

فالقتل ينسحب على الدواعش الذين يقتلون الناس بغير وجه حق.

فمقصود القرآن الكريم هو أن الناس يجب أن يعيشوا في سلم وسلام ومحبة ومودة وإخاء، فقال تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (آل عمران: 103).

وقال سبحانه: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (الحجرات: 10).

وقال الله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ» (البقرة: 208).

هذه الآيات كلها فيها حفاظ على دماء الناس وأعراضهم والأنفس وفيها نشر للمحبة والمودة والسلام بين الناس.

  • يكثر الحديث عن تصويب الخطاب الإسلامي لكن كيف يُطبق على أرض الواقع؟

–       تصويب الخطاب الإسلامي دعوة مطلوبة ولا بد أن نسير في ضوئها وأن نعمل عليها والإسلام دينًا صالحًا لكل زمانٍ ومكان والنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم المرسلين والإسلام هو آخر الأديان إلى أن تقوم الساعة.

ففي ظل ما نُعانيه من مشكلات في الواقع، المطلوب أن يُعالج الإسلام هذا الواقع، فيجب أن ننزل النص القرآني على الواقع لنحل الواقع بهذا النص، ومن هنا تأتي ضرورة تلك المهمة.

  • من المشكلات التي نُعانيها في الوقت الحالي اهتمام المسلمين بالعبادات دون المعاملات.. كيف ترى ذلك؟

–       الإسلام جاء لكل الأجيال والقرآن لم يُخاطب فئة واحدة فقط بل خاطب كل مسلم إلى أن تقوم الساعة، والعبادات في الإسلام شرعت إلى هدف وغاية منها ما هو أخلاقي وإعمار الأرض والاستخلاف فيها والقيام بتلك المهمة على أتم وجه.

فالعبادات لم تُشرع لذاتها، وعندما فرض الله الصلاة قال إنها تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر وإذا نظرنا في الأوامر والنواهي نجد فيها مبادئ أخلاقية.

فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (النحل: 90).

ونجد أيضًا أن الحج شُرع من أجل التقوى ومعناها هو عمارة هذا الكون والاستخلاف، فالدين المعاملة والله عندما أراد أن يوصينا لم يقل أوصيكم بالصلاة إنما قال «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» (العصر: 3).

فالقرآن الكريم هو أساس الريادة وتحقيق العبادة الصحيحة باتخاذها سلمًا من أجل غايات أخرى وهو الالتقاء بهذه الحياة واتباع المعاملة الحسنة وليس القتال.

العبادات ليست مقصودة في ذاتها وإنما شرعت من أجل هدفٍ أرقى وهو كيفية أن تكون خليفة الله على الأرض وإعمارها ولم تشرع من أجل أن تكون طقوس تؤدى دون معنى وتكون القلوب مملوءة بالأمراض والحقد والحسد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق