رؤى

الصيام بين الشيخ والطبيب

العبادة علاقة خاصة بين المرء وربه وهو يجزي بها

خالد منتصر
Latest posts by خالد منتصر (see all)

تحت عنوان «رأيك أفضل من رأي الطبيب الدرويش» جاء مقال د. خالد منتصر المنشور على موقع «جريدة الوطن» الذي يعرض فيه الآراء المختلفة بشأن الصيام هذا العام..

وجاء في المقال:

جدل الصيام والإفطار، والصراع والشد والجذب ما بين الشيخ والطبيب، ارتفعت حدته ونبرته هذا العام، وصل الجدل وتطور إلى حد تراشق الاتهامات وإلقاء التكفيرات.

هناك فريق يقول المسألة حسمها في يد المفتي، وفريق آخر يقول إنها في يد الطبيب، وأنا منحاز مبدئيًا إلى الرأي الثاني، وهو أن الرأي بيد الطبيب.

 الشيخ والطبيب لا يحكمان على قوة احتمال الإنسان

لكننى أصعد درجة أعلى من الاثنتين، وأقول إن الرأي لك أنت قبل الشيخ وقبل الطبيب، فالطبيب يخبرك مجرد خبر بأنك مريض، لكن من يُحدّد قوة احتمالك، حتى لو غير مريض هو أنت، ومن سيُحاسب هو أنت، والضمير الذي سيضع المعايير هو ضميرك أنت.

وهذه هي الأرضية التي وقف عليها د. سعد الهلالي، عندما قال «حتى لو خايف من الكورونا حقك تفطر»، وتم الهجوم عليه بشدة من المشايخ حتى ظننت أنهم احتكروا الجنة!!

لماذا أقول إنك أفضل من الطبيب، أولًا لأن فلسفة الصيام هي أنها عبادة وفريضة خصوصية وعلاقة رأسية بينك وبين الله، أخبرك الرب بأنها له، وهو يجزي بها، علاقة همس لا صراخ، لا تدخل فيها لعصا دولة، أو تهديد محتسب، أو مطاردة هيئة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهنا لا دخل للشيخ، وأيضًا لا دخل للطبيب إلا بإخبارك أنك مريض، وهنا ينتهى دوره، لأنه لا يمتلك ترمومترًا يقيس به قدرتك على الاحتمال، ولا مقياس «ريختر» ليقيس به مدى ما يحدثه خوف الكورونا من زلزال نفسي لك.

استطعت الصيام أهلًا وسهلًا، وشيء عظيم، وإن لم تستطع فحسابك عند ربنا، لكنه حساب في السماء لا على الأرض، وحتى هذه اللحظة لم يصحُ أحد من الموت، ليخبرنا بالتفاصيل الدقيقة في مدونة الحساب التي كتبها الفقهاء الذين حوّلوا فطرية الدين إلى مؤسسة، فعلم الغيب عند الله فقط، وليس عند دار الإفتاء أو الأزهر أو ابن باز أو هيئة علماء المسلمين أو الملالي.. إلخ.

ثانيًا وبشكل عام وفي مصر بشكل خاص، لم يعد الطبيب ملتزمًا بمراجعه العلمية، بل صار يغلب كتب التراث الديني على كتب العلم والطب الحديث، حتى لو كانت ممارسات التراث قد عفا عليها الزمن وتجاوزها التاريخ العلمي المبني على الأدلة، صار هناك أطباء كثيرون بمرتبة الدراوشة، تحول الحكيم إلى درويش، بل صار البعض يدلس ويفبرك أحداثًا ويحجب معلومات لصالح توجيهك دينيًا ناحية ما يريده أو ما يمليه عليه الداعية.

الطبيب يتأثر برأي المؤسسات الدينية

صار الطبيب مستخدَمًا بفتح الدال من قِبل المؤسسات الدينية والجمعيات السلفية لخداع الناس للأسف، صار من يخرج علينا بأن الصيام يشفي السرطان والنقرس والحساسية والعقم والروماتويد!!، ومن يقول إن الوضوء يعالج الكورونا، ومن يصرخ بأن صلاة الفجر تعالج الجلطة.. إلخ، وكل واحد يبرز أمام الشاشات بحثًا بالإنجليزية، ويحجب معلومة مهمة من الممكن أن تكون عكس ما يعرضه تمامًا.

على سبيل المثال يبرزون بحثًا عن الصيام ويقولون إنه مفيد في كذا وكذا، والحقيقة أن الورقة البحثية تتحدث عما يُسمى بالصيام المتقطع، وهو صيام من أهم شروطه شرب المياه بكثرة!!، أي أنه باختصار شيء مختلف عن الصيام الإسلامي.

والسؤال لماذا الكذب والتدليس؟، فالدين لا يحتاج إلى كذبكم الذي يهين الدين ولا يكرمه، لا تقدّموا الدين على أنه بهذه الهشاشة ويحتاج دائمًا إلى مبررات ومسوغات من ذوي المعاطف البيضاء، الدين لا يحتاج وصاية رجال الدين، ولا وساطة المشايخ، وأيضًا لا يحتاج إلى «افتكاسات» الأطباء الإعجازية.

الوسوم
اظهر المزيد

خالد منتصر

طبيب وباحث مصري، له العديد من الإسهامات الفكرية في مجال التنوير، كما أنه شارك في إعداد وتقديم عدد من البرامج التليفزيونية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق