رؤى

السمو الأخلاقي في سورة يوسف

مشاهد من تتابع الابتلاءات وعدم اليأس من رحمة الله

د.عادل عامر

تتجلى في سورة يوسف عدة مواضيع نفسية هامة، تشكل دروسًا وعبرًا لمن أراد التعلم والاعتبار؛ فالسورة حافلةٌ بمشاهد تتجلى فيها انفعالات الغيرة، والحزن، والغضب، والخوف، والسرور، وبمشاهد الابتلاء للنبي يوسف – عليه السلام – ابتلاء بغيرة الإخوة، وابتلاء بالفتنة، وابتلاء بالسجن،

وابتلاء بالملك والقوة، وفي السورة أيضًا مشهد لابتلاء النبي يعقوب – عليه السلام – بفقدان ابنه، وفقدان بصره، ومشهد لصبره الطويل، وعدم تسرب اليأس إلى قلبه رغم معاناته الشديدة.
وتبين السورة أن طول الابتلاء – مهما طال – لا يعني اليأس من روح الله، والسورة حافلة أيضًا بمشاهد تتحقق فيها الرؤى؛ رؤيا صاحبَيْ يوسف في السجن، ورؤيا الملك، ورؤيا يوسف – عليه السلام.

سورة يوسف وقوانين الخير والشر

وتوضح السورة انطباق سنن الطبيعة البشرية وقوانين تدافع قوى الشر والخير على الأنبياء والرسل، وإن كان الوحي يوجههم ويعصمهم من الزلل، كما توضح السورة مدى تحمل الأنبياء للأحزان والابتلاء والفتن، وتقدم السورة أيضًا نموذجًا للسموِّ الأخلاقي، والعفو عند المقدرة، من طرف قائد تولى أمانة الحكم في سنوات الرخاء وسنوات الشدة، وساس البلاد والعباد بالعدل والإحسان، فأخرج البلاد من الأزمة، وأغاث الناس الذين مسَّهم الضر في مختلف المناطق.

وتبيِّن السورة في الجانب النفسي دور الانفعالات في تحريك السلوك، كما تبين تفاعل وتكامل مختلف الجوانب التي تكوِّن الإنسان: الأبعاد الجسمية، والروحية، والعقلية، والوجدانية، والسلوكية، وكيفية تأثير كل جانب في الجوانب الأخرى، وتأثره بها.

ويلاحظ المتأمل في قصة يوسف مدى عمق الانفعالات التي تحرِّك الإنسان، وشدتها في دفعه للقيام ببعض أنماط السلوك، كما يلاحظ دور الإيمان – والجانب الروحي عمومًا – في ضبط الانفعالات ومراقبتها، ودور تحكيم العقل في إعادة التوازن للجانب الانفعالي المضطرب، وفي ظهور الانفعالات الإيجابيَّة، بدلاً من الانفعالات السلبيَّة التي تطغى على سلوك الإنسان.

وباختصار؛ فإن سورة يوسف – عليه السلام – عبارةٌ عن آيات متناغمة، تتماوج فيها الانفعالات ظهورًا واختفاءً، قوةً وضعفًا، حسدًا وإيثارًا، حبًا وكراهيةً، حزنًا وفرحًا، غضبًا وسرورًا.
وهذه القصة نموذج أيضًا لتعليم الناس عمومًا، والنشء خصوصًا؛ لتهذيب سلوكهم، وضبط انفعالاتهم، وكيفية الرجوع إلى الحق والفضيلة بعد الخطأ والرزيلة، باستعمال القصة الهادفة.

وينبغي أن أنبِّه في آخر هذا التقديم: أن محاولة القراءة هذه ليست تفسيرًا للقرآن الكريم؛ بل هي محاولة لفهم القرآن الكريم من منظور علم النفس العام، ولا ينبغي أن يُفهم أن هذه المحاولة عبارة عن عمل نهائي في هذا المجال؛ بل عبارة عن تجربة أراد كاتبها أن يخوضها، وأن يقدمها للباحثين والمهتمين للمناقشة والإثراء.

غيرة أخوة يوسف ومحاولة القضاء عليه

كان النبي يوسف عليه السلام ، الأثير عند والده ، النبي الكريم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فحقد عليه إخوته من أبيه، وحاولوا القضاء عليه، ومحاولاتهم كشفت لأبيهم عن طريق الأحلام، وكتمها في نفسه، لأنها واقعٌ لن يستطيع تغييره.

قال تعالى: «إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5)» ( يوسف).

إن هذه الرؤيا رمزية تشير إلى ما سيكون عليه يوسف عليه السلام، ومكانته العظيمة بين الناس وإخوته. فالكواكب إخوته، والشمس والقمر أبواه، وسجودهم دليل علو مكانته على الجميع، والسجود هو التحية المتعارف عليها قديماً قبل ان يأتي أمر من السماء بإلغائه.

كان يوسف صبيًا أو غلامًا صغيرًا، وهذه الرؤيا كما وصفها لأبيه ليست من رؤى الصبية ولا الغلمان، ولو كانت رؤيا غلام عادي لرأى النجوم كالحجارة يلعب بها، أو يطولها، أو يعبث بها؛ ولكن يوسف رآها ساجدة له متمثلة في صورة العقلاء الذين يجنون رؤوسهم بالسجود تعظيمًا؛ فالرؤيا ليست مشاعر مضطربة، بل صورًا مستقبلية مدونة في الغيب، أطلعه الله عليها قبل أن تحدث بسنواتٍ عديدة.

وتبدأ رحلة يوسف التي سيتغير وضعه الموعود به من خلال إخوته الذين سعوا للخلاص منه، فوضعوه على عتبة المجد عندما ألقوه في البئر.

قال تعالى: «وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18)» (يوسف).

وللمقال بقية نستكمل فيها القصة..

الوسوم
اظهر المزيد

د.عادل عامر

أستاذ القانون العام ويشغل مناصب عدة منها: عضو المجلس الأعلى لحقوق الإنسان. مدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية . خبير في جرائم أمن المعلومات ومُحكم دولي معتمد .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق