الخطاب الإلهى

كيف تعامل الخطاب الديني مع «كورونا»؟

الأزمة أنتجت فرصًا جديدة من أجل التصويب في ظل الأدوار الإيجابية

أفرد فيروس كورونا مساحة جديدة لاستكشاف أدوار الخطاب الديني ووظائفه في حياة المجتمعات والقضايا والأزمات التي تواجهها.

من خلال دراسة للباحث محمد بسيوني بعنوان «اتجاهات دعم الخطاب الديني الرسمي لمكافحة كورونا» أوضح أن أزمة فيروس كورونا لن تُنهي الجدل لسنوات حول الخطاب الديني ودوره في الأزمة.

وربما تكون خلقت محفزات جديدة للتعاطي مع قضية فعالية الخطاب الديني وأبعاد تجديده.

أدوار الخطاب الديني الإيجابية

لا سيما أن الأزمة أنتجت فرصًا جديدة للتغيير في ظل الأدوار الإيجابية التي اضطلع بها الخطاب الديني الرسمي في التعامل مع كورونا، ومحاولة استعادة الأمل في سياقات العجز البشري.

ولكن مع ذلك، سيظل الخطاب الديني مطالبًا بمعالجة القضايا والمساحات الإشكالية التي كان الفيروس مجرد لحظة كاشفة لها.

بدا المسار الغالب للاتجاه الديني متماهيًا مع السياسات التي تبنتها الحكومات، حيث اتخذت المؤسسات الدينية قرارات بإيقاف الشعائر الدينية الجماعية، وطلبت من الأفراد الالتزام بالإجراءات الحكومية لمواجهة الفيروس، ولا سيما فيما يتعلق بسياسات التباعد الاجتماعي.

وبالرغم من حالة الجدل التي أنتجتها هذه القرارات، فقد دافع الخطاب الديني عن الشرعية الدينية لهذه القرارات، واعتبرها تخدم الأهداف الجوهرية للأديان، والتي قدمت فكرة الحفاظ على النفس على ما عداها من الأمور.

الاتجاه القيمي والأخلاقي

ويرتبط هذا الاتجاه بطرح إطار قيمي وأخلاقي، مؤيد بالنصوص والمقاصد الدينية، لحركة المجتمع أثناء الأزمة. وارتكز هذا الإطار على عدد من القيم، مثل: التراحم، والتضامن المجتمعي، والإيثار، ومساعدة الآخرين.

وفي هكذا سياق، استمرت المنظمات والمؤسسات الدينية في الدول الغربية في أنشطة التكافل الاجتماعي، وطالبت الأفراد بالتبرع والمساهمة في جهود مكافحة الفيروس.

المساحات الإشكالية

يشير الباحث إلى أنه بقدر ما كشفت اتجاهات الخطاب الديني الرئيسي، أو الرسمي إن جاز التعبير، عن أدوار الخطاب الديني الإيجابية في التعامل مع فيروس كورونا؛ إلا أنها أماطت اللثام أيضًا عن مساحات إشكالية في الخطاب بتجلياته وأبعاده المختلفة، وتبلورت هذه المساحات عبر أربعة مستويات أساسية:

1- تفسير الأزمة، والاستحضار المستمر لثنائية العقاب الإلهي أم الرحمة، ففي حين أصر قطاع عريض من منتجي الخطاب غير الرسمي، وخاصة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، على أن الفيروس عقاب من الله نظرًا لعدم امتثال أتباع الديانة للأوامر والنواهي الإلهية؛ ظل الاتجاه الغالب في الخطاب الرسمي يعول على استعادة الأمل، ومحاولة دفع الأفراد لتعزيز علاقاتهم الإيمانية بالله (الرحيم).

2- ثنائية الإنسانية أم الجماعة الدينية، فثمة سرديات دينية نشأت في كنف فكرة العقاب الإلهي، تؤسس لفرضية أن الفيروس جاء لنصرة بعض الجماعات الدينية على حساب الأخرى، فزعيم منظمة (هندو مهاسبها) (تجمع كل الهندوس) الهندوسية «تشاكراباني ماهاراج» اعتبر أن فيروس كورونا هو «عقاب من الإله فيشنو لمعاقبة غير النباتيين»، وأن الفيروس لا يهدد أي مؤمن بالهندوسية، في مقابل رفض الهندوسيون المعتدلون هذه السردية.

طرح خطاب ديني بمنظور إنساني

وفي مقابل هذه السردية، تم طرح خطاب ديني ذي منظور إنساني أعم، يعتمد على مفردات التعارف الإنساني، ومساحات التشارك البشري.

3- تراتبية المقاصد، والتي تشير إلى الأولويات الحاكمة للخطاب الديني، وهل يكون تأدية الشعائر الدينية مقدمًا على الحفاظ على سلامة وحياة المؤمنين؟. هذه الجدلية كانت حاضرة في الأديان المختلفة، وبالرغم من القرارات التي اتخذتها المؤسسات الدينية الرسمية بغلق أماكن العبادة وتعليق الشعائر الدينية الجماعية، فإن عددًا من الفاعلين الدينيين غير الرسمين عارضوا هذا القرار.

وتم إصدار فتاوى ترفض إغلاق دور العبادة لأنها تساعد في مواجهة الفيروس عبر حث الأفراد على التضرع إلى الله وطلب الرحمة منه، بل إن بعض الفتاوى تجاوزت هذا المبرر، وفسرت قرارات إغلاق دور العبادة في إطار المؤامرة، ومحاولة توظيف فيروس كورونا لإعادة برمجة المجتمع والتحكم به.

4- العلاقة مع العلم، وهي واحدة من القضايا الإشكالية الأزلية في الخطاب الديني، وربما تكون أزمة كورونا أعادتها إلى الواجهة مجددًا. ففيما كانت المؤسسات والمنظمات العلمية تؤكد أن فيروس كورونا ينتشر بوتيرة متسارعة عبر التجمعات البشرية، كان الخطاب الديني يشهد تباينات داخلية حول طريقة التعامل مع الشعائر الدينية الجماعية.

صحيح أن الخطاب الديني الرسمي عبّر عن درجة من التوافق مع العلم باتباع الإجراءات والسياسات الصحية اللازمة لمواجهة الفيروس، ومطالبة الأفراد بالالتزام بها؛ بيد أن ثمة اتجاهًا دينيًّا آخر لم يلتفت كثيرًا لهذه السياسات، وقدم خطابًا منعزلًا عن العلم.

وكان لهذا الاتجاه الديني المنعزل عن العلم تأثيرات عكسية، ولعل هذا ما ظهر في كوريا الجنوبية حينما كشفت الحكومة عن دور أعضاء طائفة كنيسة شينتشونجي في تفشي فيروس كورونا أثناء إقامتهم الشعائر الدينية الجماعية، وهو ما دفع زعيم الكنيسة «لي مان هي» إلى الاعتذار العلني عن دور طائفته في نشر الفيروس.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق