الخطاب الإلهى

تحصين النفس من شياطين الجن والإنس

الصراع بين آدم وذريته وبين إبليس وأتباعه انتقل من السماء إلى الأرض

من بين الوصايا التي أوصى الله بها نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الاستعاذة من الشياطين وهمزاتهم ووساوسهم.

إذ قال تعالى للرسول: «وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ» (المؤمنون : 97 – 98).

والاستعاذة بالله والالتجاء إليه من أجل تحصين النفس من الشياطين ليست وصية يختص بها النبي فقط، بل هي عامة لكافة المسلمين.

فالشيطان هو العدو الأول للإنسان منذ خلق الله آدم وكلف الملائكة بالسجود له تعظيما وتكريما له.

قال تعالى: «فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ» (طه : 117).

الاستعاذة تحمي الإنسان من همزات الشيطان

وازدادت العداوة بعدما نجح الشيطان في الوسوسة لآدم وحواء فعصيا الله وتم عقابهما بالنزول للأرض، بعد أن غفر الله لهما خطأهما ولم يغفر للشيطان ما ارتكبه.

قال تعالى: « قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ» (طه : 123)

ومع انتقال حلبة الصراع بين آدم وذريته من ناحية وبين إبليس وأتباعه من الجن والإنس من ناحية، إلى الأرض بدأ الشيطان في تنفيذ وعيده والذي قاله لرب العزة بعدما طرده من رحمته: «قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» (ص : 82 – 83)

وهؤلاء العباد المخلصين هم الذين أخلصوا النية لله والتزموا بأوامره ونواهيه، وتحصنوا بالله من همزات الشيطان.

الذين إذا وسوس إليهم الشيطان أو أتباعه من الجن والإنس ليرتكبوا معصية أو يخالفوا أوامر الله سارعوا باللجوء إلى ربهم والاستعاذة من الشيطان الرجيم تنفيذا لما شرع الله لهم في قوله تعالى: «وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (فصلت : 36)

وقوله تعالى: «وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (الأعراف : 200).

تحصين النفس بالتعوذ من الشيطان

ولأن القرآن الكريم هو الدستور الرباني للمسلمين؛ كان الأمر الإلهي لهم بضرورة التعوذ من الشيطان قبل الشروع في قراءة القرآن حتى يستوعب الإنسان ما فيه من أوامر ونواهي على حقيقتها دون تزييف الشيطان لمعناها.

قال تعالى: «فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (النحل : 98)

وقراءة القرآن لا تعني ترديد ما به من كلمات فقط، أو حتى حفظها، بل المقصود بها التصديق بما فيه واتباع أوامر الله به والابتعاد عما نها عنه، حتى يتحقق الهدف الإلهي من تنزيل القرآن على نبيه وهو أن يجعله المؤمنون دستورًا لهم ومرشد لحياتهم فيصبح بينهم وبين المنكرين له والكافرين بالله خطًا فاصلًا في الدنيا والآخرة.

ليس خطًا مرئيًا بالتأكيد، وإنما حاجزًا وفرقانًا بين الحق والباطل.. بين الخير والشر.. بين المؤمنين وشياطين الأنس الذين اتبعوا إبليس اللعين في معصيته لرب العالمين.

قال تعالى: «وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا» (الإسراء : 45 – 46).

تحصين النفس بالقرآن الكريم

وتلك هي الخطوة الثانية من تحصين النفس من شياطين الجن والإنس ألا وهي قراءة القرآن فمن كلماته ورسالته الربانية يخلق الله درعًا يقيك من وسوسة الشيطان وأتباعه.. فكيف لمن يتبع أوامر الله أن يكون للشيطان عليه سلطانًا؟!

وهذا وعد الله وهو أصدق الواعدين، مصداقًا لما قاله عز وجل في كتابه الكريم للشيطان الرجيم: «قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ» (الحجر : 41 – 43).

ويستعرض أ. د عبد السلام مقبل المجيدي، العميد السابق، المؤسس لكلية القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في صنعاء باليمن، في بحث له بعنوان «أنوار قرآنية: الاستعاذة»، أسباب التعوذ من الشيطان قبل الشروع في قراءة القرآن، يقول:

إن السبب الأول هو أن القرآن شفاءٌ لما في الصدور، يُذهب الله به ما يلقيه الشيطان من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواءٌ، فأُمر القارئ أن يطرد مادة الداء، ليخلو منه القلب فيجد الدواء محلاً خالياً، فيؤثر فيه

أما السبب الثاني، فهو أن الشيطان يجلب على قارئ القرآن بخيله ورَجِلِه، حتى يشغله عن قراءة القرآن وتدبره، ويمنعه عن إدراك أنوار القرآن، فالاستعاذة تعين على دفع شرور الشيطان.

أهمية استعاذة الانسان بالله من الشيطان

ويضيف د. المجيدي، أن كلمة (الشيطان) لها عدة معان، من بينها أن اللفظ مأخوذٌ من شطن إذا تمرد؛ لأنه لم يطع أمر الله سبحانه وتعالى، وخالف كلامه، والعرب تسمي كل متمردٍ من الإنس والجن والدواب شيطاناً «شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ» (الأنعام : 112).

وعن أهمية استعاذة الانسان بالله من الشيطان يقول د. المجيدي أن الإنسان ضعيفًا من غير قوة الله وحوله، قال تعالى مبيناً ضعف الإنسان: «وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا» (النساء : 28).

وكذلك فإن وسوسة الشيطان وكيده للإنسان ضعيف كذلك، لا يسقط فيه إلا محدود الإيمان، مصداقا لقوله تعالى: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا» (النساء : 76).

و(الضعيفان) إذا اقتتلا ولم يكن لواحدٍ منهما معين لم ينتصر أحدهما، فكيف إذا لعب الشيطان بالإنسان، فأوهمه أنه وليه؛ ولذا أمر الله الكريم اللطيف أن يستعين الإنسان بربه ليحميه من كيد الشيطان الضعيف، ومن هنا يمكن أن نقول: (العدو الخفي الغائب منهزم أمام الودود العزيز الغالب).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق