علي الشرفاء يكتب: «القرآنيون»

الله سبحانه وتعالى لم يكلف رسوله بمهمة أخرى غير إبلاغ الناس آيات القرآن

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

باحث ومفكر إماراتي، مهتم بالشأن العربي وما آل إليه حال الأمة العربية. له العديد من الكتب والأبحاث التي تناولت دعوته إلى إحياء الخطاب الإلهي والتمسك بأن يكون القرآن الكريم هو الدستور والمرجعية الوحيدة للمسلمين.
المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

آخر أعمال الكاتب المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (كل المقالات)

قال الله تعالى:

«وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ» (فصلت: 26)

(1) اختار الله محمدًا عليه الصلاة والسلام رسولًا للناس.

(2) كلف الله رسوله أن يحمل كتابًا لا ريب فيه هدى للمتقين وهو القرآن الكريم تضمنت آياته أنوارًا إلهية تضيء للإنسان طريق الحق والخير والصلاح.

(3) قال سبحانه لرسوله أثناء التكليف: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» (المائدة: 67)

(4) تلك الآية تحدد بوضوح لا يقبل الشك أن الله سبحانه لم يكلف رسوله بمهمة أخرى غير إبلاغ الناس جميعًا آيات الله التي تضمنها القرآن الكريم بقوله سبحانه «وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)» (الشعراء: 192 ــ 194).

(5) أمر الله رسوله بأن يدعو الناس بالموعظة الحسنة بقوله سبحانه «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (النحل: 125) ولا تكره الناس على اتباع رسالة الإسلام بقوله «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ في الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99) ذلك بأن الله سبحانه يوضح لرسوله عليه الصلاة والسلام أسلوب الدعوة وحرية الاعتقاد للناس دون إكراه، كما أكد سبحانه أنه لا وصاية على الدين والدعوة إليه بقوله تعالى «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» (الأنعام: 107)

(6) هل يمكن أن يخالف الرسول أوامر الله بالتقيد في إبلاغ الناس ما جاء في القرآن من آيات كريمة تستهدف هداية الناس لطريق الخير ولما يحقق لهم الأمن والسعادة والرحمة والعدل في الحياة الدنيا والأمان يوم القيامة عندما يقدم كل إنسان كتابه، حيث يقول سبحانه «فَأَمَّا مَنْ أُوتِي كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ» (الحاقة: 19) «وَأَمَّا مَنْ أُوتِي كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ» (الحاقة: 25) هل يقبل العقل والمنطق أن رسول الله سيأتي بأقوال من عنده أو تشريعات غير ما أمره الله بها أن يبلغها للناس، كيف يستقيم المنطق بين المهمة الرئيسية الموكلة إليه من رب العباد لعباده وعشرات الآلاف من الروايات التي تمكنت أن تطغى على آيات القرآن الذي أنزله الله على رسوله بواسطة الروح الأمين نسبت إليه ظلمًا وعدوانًا وافتراء، فهل نزل ملك آخر يبلغ رسول الله بأن يبلغ الناس أقوالًا وأحاديث غير التي يتضمنها القرآن الكريم؟! والله يقول سبحانه «تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَي حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ» (الجاثية: 6)، تؤكد لنا هذه الآية أن لا حديث غير آيات الله ولا تشريع إلا من عند الله ولا طاعة إلا لله ولما ينقله رسوله عن ربه من حكمة وموعظة وعبادات، حينما يقول الله سبحانه في كتابه الكريم «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» (الأحزاب: 21)، فالله يأمر المسلمين بأن يقتدوا بالرسول في كل أمر يتعلق بشرح مراد الله من آياته يعلمهم الحكمة ويعلمهم العبادات، ممارسة فعلية من صلوات كانت أو صيامًا أو حج البيت، حتى التعامل بين الناس يتعلم منه المسلمون أسلوب التعامل والعلاقات الإنسانية ويتعلمون منه القيم النبيلة من رحمة وعدل وإحسان وتعاون، كان عليه الصلاة والسلام قرآنًا يمشي والقدوة هي الممارسة والسنة هي القدوة في تفعيل التوجيهات الإلهية مع الناس.

(7) أ- نستنتج مما سبق أن إلهنا واحد سبحانه جل وعلا هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.

ب- نؤمن بما جاء في كتابه المبين من تشريع وقيم وعدل ورحمة وتعامل بين الناس بالعدل والإحسان.

ج- نؤمن بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام إمام ورسول من الله للناس جميعًا جاء يحمل لهم خطابًا إلهيًّا احتوى كلمات الله ليهدي الناس إلى ما يصلحهم فلا إمام غيره ولا قول جاء به غير ما كلفه الله بإبلاغه للناس وهو القرآن الكريم وما عداه يتفق مع قوله سبحانه «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)» (النساء: 60 ـــ 61) وقال تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)» (محمد: 7 ـــ 9)

هل من الصدفة أن يتولى جمع الروايات على لسان الصحابة وغيرهم منسوبة للرسول عليه الصلاة والسلام، الأربعة الكبار في أواسط القرن الثالث بعد وفاة الرسول وهم: البخاري/ وأبو داوود/ والترمذي/ وابن ماجه/ في نفس التوقيت، وأن يكونوا جميعهم ولادتهم في الدولة الفارسية أثناء حكم بلادهم والتي اتخذت المجوسية ديانة لها.

كيف يمكن التأكد من مصداقية الروايات بعد مضي أكثر من قرنين من الزمان على وفاة الرسول؟ وما هو الهدف من حشد عشرات الآلاف من الروايات التي ليس لها أساس مؤكد ولا ضرورة لتلك الروايات بوجود القرآن الكريم الذي استكمل آياته في حجة الوداع حين أبلغهم الرسول بقوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»، هل منح الله رسوله إضافة أقوال على آيات القرآن الكريم أو بحذف آيات منه؟ بماذا كلّف الله سبحانه رسوله في نقل الرسالة وفي ذلك يقول سبحانه: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» وما أنزله على رسوله كتاب كريم ليبلغه للناس كافة ويتخذونه خارطة طريق تعينهم في مواجهة أعباء الحياة وتضبط إيقاع حركة المجتمعات الإنسانية، وتمنع طغيان قوم على قوم، وتنشر السلام بين الناس ليعيشوا في وئام وتعاون ومحبة، ينتشر الأمن بينهم ويتحقق لهم الاستقرار الذي يلهم الناس في تحسين أحوالهم المعيشية وتطوير علاقاتهم الاجتماعية. وقوله تعالى في سورة النجم «وما ينطق عن الهوى» إنما يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام عندما يتلو عليهم القرآن فهو لا ينطق عن الهوى بل هو وحي أنزله عليه في قرآن مجيد، وقوله تعالى في نفس السورة «إن هو إلا وحي يُوحى» يعني إن ما ينطقه الرسول قرآن كريم أوحى الله به إليه ليتلوه على الناس ويشرح لهم ما فيه من حكمة ويوضح لهم مراد الله من آياته، ونستنتج من الآيات السابقة تكليف الله لرسوله بتبليغ رسالته للناس فقط بتلاوته للقرآن وتعليمهم الحكمة، وقد حسم المولى عز وجل مسئولية الرسول عليه الصلاة والسلام مهمة محددة لا زيادة فيها ولا نقصان، وعلى ما يبدو أن المتلقين للآيات الكريمة لم يستطيعوا مغالبة النفس البشرية بأهوائها وأطماعها أن تصمد أمام مغريات الحياة وأن يتمكنوا من كبح جماحها، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام ارتقى بسلوكه وصقل الله أخلاقه وارتفع به إلى مصاف الملائكة الذين تجردوا من الأهواء البشرية وتطهرت قلوبهم النقية، لقد جاء عليه الصلاة والسلام بالنور الإلهي ليخرج البشرية من الظلمات إلى النور، ظلمات القهر والظلم والإجرام بكل أشكاله إلى نور الحرية والمحبة والأخوة والتعاون والسلام والعدل، إن المسلمين يستمدون تطبيقاتهم الدينية من فقه وتشريع من مصدرين اثنين، أولهما قول مباشر ينقله عن الوحي من الله محفوظ في كتاب كريم إلى قيام الساعة، ثانيهما أقوال قيلت عن الرسول منسوبة إلى الصحابة تم نقلها من قبل كبار ناقلي الروايات بعد وفاة الرسول بأكثر من مائتي سنة، هل يستويان؟ هل الاعتماد الكلي للفقه الديني على مرجعية الروايات الوحيدة مقصود به تحييد القرآن لتتحقق مقاصد ناقلي الروايات بعزل القرآن عن الفقه الإسلامي وتتحقق صياغة الشخصية الإسلامية التي تحقق التفرقة بين المسلمين وينتج عنها طوائف متعددة تتقاتل فيما بينها، وبالتالي تتوارى القيم الربانية التي تأمر بالرحمة والعدل والتعاون والسلام بين الناس جميعًا، ونظرة لتاريخ المسلمين تؤكد لنا ما حدث من حروب دامية بين المسلمين والفرق الإسلامية المتناحرة، وكل منها يدعي أنه هو الوصي على الإسلام والدعوة إليه وغيره كافر، لأنه لا يتفق معه في مرجعيته، وتتسارع وتيرة الصراع بين مختلف الفرق الإسلامية ويتحقق لأعداء الرسالة الإسلامية ما يخططون له باستمرار؛ القتال بين العرب المسلمين، وينشغلون في أنفسهم عن عدوهم، ويتحين بنو إسرائيل الفرص الضائعة من العرب ويستمرون في التوسع في المستوطنات على حساب الشعب الفلسطيني، حتى لا يبقى لهم متر من الأرض يتفاوضون عليه ليتحقق حلم إسرائيل باحتلال كامل الأراضي الفلسطينية، وليس أدل على تلك النتائج الكارثية ما حدث في العراق وفي سوريا واليمن وليبيا، عندما استطاعوا مع حلفائهم تفجير الوطن العربي ليسهل لهم تحقيق أهدافهم حماية للأمن الدائم لدولة إسرائيل لتصل حدودها من النيل إلى الفرات، لو نجحت خططهم سنة 2011 في جمهورية مصر العربية لتمكنوا من تحقيق حلمهم ولكن الله خذلهم.

لقد وصف الله سبحانه القرآن بأنه أحسن الحديث بقوله تعالى «الله أنزل أحسن الحديث»، وجاء في آية أخرى «تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ» (الجاثية: ٦)، وقال تعالى «فبأي حديث بعده يؤمنون» أي إن إطلاق مسمى حديث محصور فقط على آيات القرآن الكريم، لو لم يأتِ الوحي لمحمد بن عبد الله، ونزل عليه القرآن كتاب الله للناس كافة فلن يكون رسولًا أو نبيًّا، وسيكون مثل أحد الناس في قومه، ولكن الله سبحانه يعلم حيث يجعل رسالته لعباده، فكلف محمدًا الإنسان ليكون رسولًا للناس كافة، يهديهم طريق الخير والرشاد وأمره بتكليف محدد بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» ماذا أنزل على الرسول؟ وما الرسالة التي يريد الله أن يبلغها للناس؟ أليس غير القرآن خطاب من الله لعباده وهل يملك محمد عليه الصلاة والسلام مخالفة أمر الله ويبلغ الناس قولًا آخر غير ما يكلفه الله به وهو القرآن، حيث يقول سبحانه «الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) سورة محمد، تعني هذه الآية أن الناس انقسموا إلى فريقين، منهم من اتبع الحق الذي أُنزل على الرسول وهو القرآن الكريم، ومنهم من اتبعوا الباطل والذين كفروا بالقرآن واتبعوا الروايات التي أصبحت بديلًا عن القرآن وخلقت دينًا جديدًا لا صلة له برسالة الإسلام التي يأمرنا الله باتباعها في كتابه المبين، وأصبح لزامًا على كل إنسان أن يحدد موقفه إن كان من أهل القرآن فالله سيكفر عنهم سيئاتهم ويصلح بالهم، وأما من اتبع ما تتلو الشياطين من أساطير وروايات سيضل الله أعمالهم، ألم يشتكِ رسول الله لربه، حيث يقول سبحانه «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا» الفرقان (٣٠)، ألم يقل سبحانه «تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ» الجاثية (٦) كيف تجرأ الجهلة الذين «فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ» (البقرة ١٠)، أن يجعلوا من اتخذ القرآن مرجعه ويجعله يعلو فوق ما عداه، فكلام الله فوق كلام الملائكة والأنبياء، متهمًا بأنه قرآني، إن تلك التهمة هي والله أعظم تقدير لكل مسلم اتخذ القرآن وحده مرجعية واستغنى بآيات الله عن الروايات والإسرائيليات وجعل كلمة الله هي العليا، ما الذي حدث لعقول العرب المسلمين كيف ضاقت عليهم نفوسهم وعقولهم بأن يصلوا إلى هذا المنحدر ويتطاولوا على رسول الله وما أنزل الله عليه من قرآن مبين للتذكير لتستيقظ العقول وأن بني إسرائيل حاولوا بشتى الوسائل القضاء على رسالة الإسلام منذ بداية بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى أنهم حرضوا كفار قريش على اغتياله، ولما فشلوا شنت عليه قبائل اليهود بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع حروبًا عدة لإعاقة تبليغ رسالة الإسلام للناس، وبفضل الله نصر رسوله وهزموا شر هزيمة في كل معاركهم، ولذا اتجهوا للإشاعات وافتراء الأكاذيب على رسول الله، واختلفوا آلاف الروايات ونسبوها للصحابة منسوبة للرسول، واستطاعوا أن يقنعوا بها عددًا كبيرًا من دعاة المسلمين، وبالغوا في تضخيم مكانتهم في العالم العربي والإسلامي بوسائل الدعاية كافة؛ من طباعة عشرات الآلاف من الكتب والمجلدات لإعطاء مصداقية وتقديس لتلك الروايات، فاندفع المسلمون من كل مكان يمجدونهم ويقدسون آراءهم، حتى أصبح أولئك العلماء مراجع دينية غير قابلة للنقد أو لتصحيح بعض المفاهيم التي تنال من الرسول عليه الصلاة والسلام ومن القرآن الكريم، واعتبروها غير قابلة للمناقشة أو المراجعة، هكذا استطاع الإسرائيليون أن يؤسسوا على الروايات دينًا جديدًا يدعمهم ويساندهم مجموعة علماء المذاهب المختلفة والأسانيد المنسوبة لأصحاب رسول الله، ليتحقق للروايات القدسية والمصداقية، وبذلك استطاعوا أن يضربوا طوقًا على العقول بمنعها من التدبر والتفكر كما أمر الله سبحانه، مستهدفين صرف الناس عن القرآن وتعطيل فرائضه، لتستمر المؤامرة في وأد العقل العربي ليظل مرتهنًا بأقوال السابقين وتبقى العقول مقيدة بتلك الأغلال التي ابتدعوها.

ولذلك مما يؤكد استمرار مؤامرة بني إسرائيل وتابعيهم من الجهلة والأميين بمحاولاتهم زرع الخوف في كل من يحاول أن يعيد مكانة القرآن أساسًا لرسالة الله لعباده متضمنة آياته تعاليم الإسلام وتشريعاته، يمارسون تهمة القرآنيين لإرهاب المسلمين فلا يحاولون التدبر والتفكر في كتاب الله وتعطيل فريضة إلهية بدأها الله سبحانه، عندما علّم آدم الأسماء كلها وهي المعرفة منذ الخليقة حتى قيام الساعة، كما أنزل على رسوله عليه الصلاة والسلام مفتاح المعرفة بسورة (اقرأ) أول سورة أُنزلت على رسول الله في القرآن، والمؤامرة تستهدف استمرار انصراف المسلمين عن القرآن، ويؤكد الله سبحانه أن أعداء الله وأعداء الرسالة سينشرون شائعات وروايات عن القرآن لتكون لكتبهم الغلبة، يقول الله تعالى «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ» (فصلت: 26)، وعلى ضوء ما جاء أعلاه تبرز الأسئلة التالية:

(1) كيف استطاع المتآمرون على رسالة الإسلام وأعداء الله أن ينشئوا روايات تتعارض مع قيم القرآن وسماحة الدين؟

(2) كيف استطاعوا أن يغرقوا العقول في مستنقعات الفتنة والفرقة والقتل والتدمير في حين أن الله يدعو للتعاون بين الناس بالبر والرحمة والتسامح والمحبة بين الناس؟

(3) كيف استطاعوا أن يمزقوا وحدة الرسالة إلى مرجعيات متناحرة متصارعة ومتقاتلة، كل منهم يبحث عن سلطة وجاه ومكانة مرموقة في المجتمع؟

(4) كيف استطاعوا أن يجعلوا منا معاول لهدم دين السلام والمحبة ويحولونا إلى وحوش مسعورة فقدت كل قيم الإنسانية، فأهملنا ما جاءت به رسالة الإسلام من عدل وسلام يقتل بعضنا بعضا تحت شعار الله أكبر، والسبب هو حينما هجر المسلمون الخطاب الإلهي القرآن الكريم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. (( كيف يمكن التأكد من مصداقية الروايات بعد مضي أكثر من قرنين من الزمان على وفاة الرسول؟ ))
    هذا هو المستحيل بعينه
    بعكس كلام الله الذى مضى عليه 14 قرن ما استطاع شخص ان يثبت عليه خطأ بشهادة الاعداء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق