fbpx
الخطاب الإلهى

فوضوية الخطاب الديني المعاصر

التكفير والإقصاء والتهميش قطَّع أوصال العرب والمسلمين

الإسلام يدعو الى الاعتصام بحبل الله لأنه سبيل إلهي للإصلاح والرشاد ودعوة للحب والخير والسلام، ولكن الخطاب الإسلامي المعاصر خرج عن دائرة الدين وأصبح السبب الرئيسي لما يجري في الأمة.

يقول أ .د محمود شاكر عبود الأستاذ بالكلية الإسلامية – العراق، في بحثه بعنوان (فوضوية الخطاب الديني المعاصر) المنشور بمجلة مركز دراسات الكوفة، الخطاب الديني الموجه إلى الأمة لا علاقة له بالدين الإسلامي وخارج عن دائرته جملة وتفصيلًا.

فبدلًا من أن يكون للمسلمين انتماءًا واحدًا هو الإسلام، تنصهر فيه باقي الانتماءات العرقية أو الحدود السياسية أو غيرها، أصبحوا أبعد ما يكون عن هذا الانتماء، تحركهم اتجاهات خارجية أحيانًا أو كيانات سياسية ليس من مصلحتها وحدة المسلمين.

فوضوية الخطاب الديني أضاعت الهوية الإسلامية

وقد تحركهم اتجاهات داخلية نتيجة الفهم الخاطئ للدين أو الجهل التام بمفهومه العام الذي يدعو إلى الوحدة والاعتصام قال تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (103: آل عمران).

وذلك نتيجة الفوضى السائدة في الخطاب الإسلامي المعاصر في أكثر توجهاته، فضاعت الهوية الإسلامية بين هويات فرعية أقل منها أثرًا وأهمية، وأصبحت هوية المسلمين التناحر أو على الأقل تعددت هوياتهم.

حتى أصبح الإسلام نظرية غير قابلة للتطبيق بل ومن الاستحالة تطبيقها على الواقع المعاصر لتعدد الآراء وتباين الافكار وعدم وضوح الرؤيا الحقيقية للإسلام.

فعالم التطبيق اليوم للدين نتيجة الفوضى في الخطاب الديني أصبح التعصب والعدوانية وأصبح الفقه الإسلامي في الكثير من فتاويه يتبع ذلك.

فالفتاوى التكفيرية وتهمة الإشراك لمجرد المخالفة ونكاح الجهاد وما إلى ذلك من بدع العصر، أصبحت هي السائدة وحديث العامة، وأصبحت اللآراء المتباينة والتقاطع هي الأولى والأهم في الخطاب الإسلامي المعاصر.
ساعده التوسع في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، في حين انزوت الآلاف من أوجه الاتفاق. وبات دعاة الوحدة والتصحيح والإصلاح معارضين وآرائهم هامشية وكأن الأصالة المنطقية للتشتت والاختلاف والتناحر لا الاعتصام.

التنازع يؤدي إلى إضعاف المجتمع

تشير الدراسة إلى أن إعلان شرعية التعددية والاختلاف الفكري والاعتراف بالآخر إنما يُراد به إحلال الأمن والسلام في المجتمعات والابتعاد عن الاحتراب الداخلي.

إن التنازع المذموم في القرآن الكريم هو الذي يحول التعددية – تلك الظاهرة الإنسانية الأصيلة – إلى سبب لإضعاف المجتمع وهدر طاقاته، قال تعالى :«وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» (الأنفال : 46). ولا يتحقق هذا إلا باتباع المنهج القرآني في التعامل مع الآخر.

وإذا كان لا بد من الإصلاح والتنبيه لما سيحدث نتيجة الفوضى العارمة في الخطاب الإسلامي المعاصر وما حدث وما يحدث الآن، لا بد من تسويق شكل جديد من الخطاب يتسم بمواكبة تطورات الواقع وتبدلات الفكر والمجتمع والابتعاد عن الخطاب الاستفزازي كي لا نخلق ردود أفعال تنعش حركة التكفير.

كما تؤكد الدراسة أن غياب الواقعية وطغيان خطاب التكفير والإقصاء والتهميش قطَّع أوصال المجتمع العربي والإسلامي نحو الطائفية والآراء الضيقة؛ فانفصمت عُرى العلاقات الاجتماعية والدينية في ضوء هذا الخطاب الأصولي السلفي.

والخطاب العقلاني هو الخطاب النابع من عقلانية القرآن الكريم وهو يدعو الناس إلى التفكر والتأمل والتعقل قبل الانطلاق نحو العمل؛ حتى يكون العمل في ضوء الدعوة القرآنية الواعية لا التقليد الأعمى لخطابات إسلاموية بعيدة عن واقع القرآن ودعوته.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق