القرآن.. صياغة ربانية مباشرة

إعراب النص من المفروض أن يكون تابعًا لإدراك دلالاته

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

آخر أعمال الكاتب عدنان الرفاعي (كل المقالات)

بفضل الله تعالى ومِنَنه، بيّنت في كتبي أن القرآن الكريم يمتاز عن غيره من الكتب السماوية بكونه تنزيلًا من عند الله تعالى، وهذا يتعلق بكونه معجزة، ويتماثل مع الكتب السماوية الأخرى بكونه إنزالًا من عند الله تعالى وهذا يتعلق بكونه منهجًا، وأيضًا يمتاز عن الكتب السماوية الأخرى بكونه قول الله تعالى (صياغة لغوية مباشرة من عند الله تعالى)، في حين يتماثل مع الكتب السماوية الأخرى بكونه كلام الله تعالى (معنى من عند الله تعالى)، وبينت أن صفة العربي التي تعلقت بالقرآن الكريم، تصفه بالكمال والتمام والخلو من العيب والنقص، منهجًا ومعجزة.

«إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » (يوسف :2)

ففي كتاب الله تعالى، مشتقات الجذر (ع ر ب) تدور دلالاتها في إطار الكمال والتمام والخلو من النقص والعيب، وأخذت كلمة (الأعراب) المعنى المقابل، كونها من الفعل المتعدي بالهمز (أعرب) حيث المتعدي نقل المعنى إلى الاتجاه الآخر.

فالكلمات القرآنية ليست وضعية اصطلاحية من عند البشر كما هو شأن جميع لغات العالم (بما فيها مفردات اللغة العربية غير القرآنية)، إنما هي فطرية موحاة من الله تعالى، علّمها لآدم عليه السلام قبل أن تحل نفسه في جسده، وهبط بها إلى الأرض وحافظت عليها أمة أمية إلى حين نزول القرآن الكريم مصوغًا من تلك المفردات.

ومفتاح الدخول لأحكام كتاب الله تعالى، ولإدراك ما يحمل من معجزات، هو صياغته اللغوية، فمعجزته تكمن في صياغته اللغوية كونها من الله تعالى مباشرة، وعند وضع قواعد اللغة العربية من قبل السابقين كان القرآن الكريم المعيار الأهم الذي تم الاعتماد عليه في وضع هذه القواعد.

قام علماء اللغة بتقعيد اللغة العربية، واعتمدوا في ذلك على ما استطاعوا استنباطه من صياغة النص القرآني، وعلى ما شاهدوه في صياغة الشعر العربي، وفي أقوال أبناء المجتمع العربي، لكن، بالتأكيد لم يحيطوا بحقيقة صياغة النص القرآني، ولذلك في بعض الحالات وقف بعضهم عاجزًا عن استيعاب صياغة بعض العبارات القرآنية، وراح بعضهم الآخر بناء على ذلك يتهم صياغة كتاب الله تعالى بالنقص والمغالطة، معتبرًا ما وضعه البشر حجة على كتاب الله تعالى.

من هنا، فإن ما تم وضعه من قواعد للغة العربية، على يد السابقين، يحاكي لغة القرآن الكريم بدرجة كبيرة، تتناسب مع درجة الجهد الذي تم بذله في تقعيد اللغة، فما نسميه بالقواعد الإعرابية هو جزء مما يحمل القرآن الكريم من هذه القواعد، ولا يمكن للبشر أن يحيطوا بأي جانب من جوانب النص القرآني، فما أطره البشر من قواعد لغوية، لا يتجاوز حدود إدراكهم، ولذلك فجعل إدراك البشر حجة على كتاب الله تعالى هو جحود بكتاب الله تعالى، وتصور له على أنه نص بشري، تحكم من قام بصياغته (جل وعلا عن ذلك علوًّا كبيرًا) قواعد اللغة التي وضعها بشر يخطئون ويصيبون.

إعراب النص، من المفروض أن يكون تابعًا لإدراك دلالاته، وقواعد اللغة التي تم وضعها من قبل السابقين لا تحيط بكتاب الله تعالى، لأن البشر لا يستطيعون الإحاطة بكل جوانب كتاب الله تعالى، ولذلك من الضروري استمرار البحث والتدبر في كتاب الله تعالى ــ في هذا الأمر ـــ حتى قيام الساعة، ولو استمر البحث في كتاب الله تعالى، لاكتشفنا الكثير من قواعد اللغة، سواء في جانب الإعراب، أو في جانب الإملاء.

وهنا يرمي الجهلاء بجهلهم، على كتاب الله تعالى، اعتمادًا على أهوائهم من جهة، وعلى ترهات بعض ما يحمله الموروث من جهة أخرى، وهذا هو قمة الإساءة لكتاب الله تعالى.

في هذا البحث، سنتناول بإذن الله تعالى، أهم النصوص التي اتهموا بها كتاب الله تعالى بالخطأ اللغوي، لنرى أن هذه النصوص تحمل قمة الإعجاز البلاغي في إيصال الدلالات المحمولة بها إلينا، وأن تهمهم ناتجة عن عدم إدراكهم لصياغة النص القرآني، وعن عدم امتلاكهم لإرادة طاهرة في معرفة الحق.

المثال الأول الذي سنتناوله هو في قوله تعالى: «…وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ » (الشورى:17)

قالوا لماذا لم يتبع خبر لعل اسمها في التأنيث فيقول (لعل الساعة قريبة)؟، فكلمة الساعة مؤنثة، وحسب وهمهم فلا بد أن يكون خبرها (قريب) مؤنثًا أي بالصيغة ((قريبة)).

أقول:

فضلًا عن القول بأن المراد هو مجيء الساعة، فإنه من المعلوم في لغة كتاب الله تعالى أن وزن (فعيل) يستوي فيه المذكر والمؤنث، كما هو في كلمة (عقيم) في قوله تعالى:

«فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ» (الذاريات :29) 

وكما هو الحال في كلمة (الْعَقِيمَ) التي تصف (الرِّيحَ) المؤنثة ـ كما رأينا ـ في قوله تعالى التالي،

«وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ *مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ»( الذاريات:41-42) 

وكلمة ((قريبة)) بهذه الصيغة لم تأتِ في كتاب الله تعالى أصلًا، فما يرد بدلًا منها للحالات المؤنثة هو كلمة (قريب).

«اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ» (الشورى: 17).

«وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ» (الأعراف: 56).

«يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا» (الأحزاب: 63).

ولنأخذ مثالاً آخر، في قوله تعالى:

«هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيم» (الحج:19).

قالوا: كان من المفترض أن يقول: هذان خصمان اختصما في ربهما.

وهذه الشبهة أقل من أن يُرَد عليها، فمن المعلوم أن كلمة خصم تعني العداوة والخلاف مع طرف آخر، وإن وردت بصيغة المثنى (خصمان) فتعني فريقين دون تحديد لعدد أفراد كل فريق.

«وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)» (ص: 21 ــ 23).

وشبيه ذلك كلمة طائفة، حيث كلمة (طائفتان) تعني مجموعتين كل منهما مكونة من أفراد:

«وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الحجرات: 9).

عندما يقع الاقتتال بين طائفتين، هل تمسك كل طائفة سيفًا واحدًا وتضرب به؟!، أم يشتبك الأفراد من الطائفتين فيما بينهم؟، وبالتالي فالاقتتال يكون بين مجاميع الأفراد من الطائفتين، ولذلك نرى صيغة الجمع (اقْتَتَلُوا).

هنا أيضًا، عندما يختصم خصمان (فريقان)، فالخلاف والجدال والاختلاف يكون بين مجموعي أفرادهما، وبالتالي تناسبه صيغة الجمع (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ).

ولنأخذ مثالًا آخر، في قوله تعالى:

«إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى» (طه: 5).

قالوا: كان من المفروض أن تُستبدل كلمة (أخفيها) بكلمة (أظهرها). ما نراه أن كلمة (أخفيها) تتعلق بـ (السَّاعَةَ) وليس بإتيانها، فصيغة التأنيث واضحة في كلمة (آتية)، وفي الضمير المتصل في كلمة (أخفيها).

(والساعة) هي الانقلاب الكوني الذي هو نهاية هذا العالم الذي نعيش فيه، وهو عالم الامتحان، الذي نُجزى فيه على سعينا فيما بعد الساعة، فـ (الساعة) كحيثيات انقلاب كوني تتغير بها نواميس هذا العالم (آتية). بمعنى: عناصر الكون، كحيثيات انقلاب كوني تتغير بها نواميس هذا العالم الذي نُمتحن فيه، تسير باتجاه نقطة الانقلاب الكوني، حيث تنقلب النواميس التي تحكم عالمنا، رأسًا على عقب، وهذا ما تحمله كلمة (آتية)، وأما كلمة (أخفيها) تؤكد ذلك، فإخفاء الشيء لا يعني عدم وجوده، إنما يعني جعله خارج ساحة الاطلاع المباشر للآخرين عليه.

«وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (البقرة: 271).

«وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» (الأحزاب: 37).

«وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ» (الممتحنة: 1)

إذًا، نقطة الانقلاب الكوني (الساعة) التي تنقلب فيها النواميس الحاكمة لحركة حياتنا الدنيا هذه التي نُمتحن فيها، مسألة آتية، تسير إليها كل عناصر الكون، وهي أمر واقع، وليس مخفيًّا على العلماء، لكنه قريب من الخفاء، حيث تحتاج رؤيته إلى رفع الغطاء العلمي عن ذلك، وهذا عين ما تنطق به العبارة القرآنية (أكَادُ أُخْفِيهَا).

والجملة (أكَادُ أُخْفِيهَا) اعتراضية بين الجملة (إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ) وبين جملة (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) حيث لام التعليل في كلمة (لتجزى) واضحة، فإتيان الساعة هو من أجل أن تُجزى كلُّ نفسٍ بما تسعى.

ولو جاءت الجملة الاعتراضية (أكَادُ أُخْفِيهَا) على الشكل (أكاد أظهرها)، لكانت الساعة كانقلاب كوني، خارج نواميس الكون الذي نعيش فيه.

 

 

المصدر:
الموقع الرسمي للمهندس عدنان الرفاعي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق