العقد المقدس مع الله

عندما مات الضمير واختل ميزان العبادة.. توحشت النفوس الخربة

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

باحث ومفكر إماراتي، مهتم بالشأن العربي وما آل إليه حال الأمة العربية. له العديد من الكتب والأبحاث التي تناولت دعوته إلى إحياء الخطاب الإلهي والتمسك بأن يكون القرآن الكريم هو الدستور والمرجعية الوحيدة للمسلمين.
المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

آخر أعمال الكاتب المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (كل المقالات)

كثير من الناس يعتقد بأن من قال أشهد أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله بلسانه فقط، فقد دخل هكذا الإسلام وأصبح مسلمًا، كما يتصور البعض أن من يؤدى شعائر العبادات من صلوات وصيام وزكاة وحج، فهو بذلك قد قام بكل التزاماته كمسلم.

وقد مرت قرون عدة، على هذا الفهم الخاطئ للإسلام، ولم يلتفتوا إلى قول الله سبحانه وتعالى:

(إنا عرضنا الأمانة على الأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا).

والأمانة هنا إنما تعني «العقد المقدس» بكل شروطه، وقد أعطى الله الإنسان الحرية الكاملة، في الاختيار ما بين الالتزام بالعقد أو عدم تنفيذ بنوده.

والعقد المقدس الذي صار الأمانة التي حملها الإنسان هو القرآن الكريم، والذي تؤسس آياته إقامة مجتمع المدينة الفاضلة، وذلك عندما نقوم بتطبيق ما ورد به من المنهج الإلهي، الذي أنزله الله على رسوله في آيات كريمة.

ولذلك أصبح الوفاء بتطبيق المنهج الإلهي، هو قضية في غاية الصعوبة عند الإنسان، بل إنها قد وضعته في صراع دائم ومواجهة قاسية جدا مع نفسه وغرائزه، مع ما يسوله إليه إغواء الشيطان وما تساعده في ارتكابه من معاصي «النفس الأمارة بالسوء».

وفي الحقيقة، فإنه إذا تمكن الإنسان من التمسك بشروط العقد المقدس بينه وبين الله، من قيم الفضيلة وفضائل الأخلاق وتطبيق التشريع الإلهي في الحلال والحرام، وكذلك التقيد الكامل بكل بنوده سلوكا ومعاملة مترجمًا المنهج الإلهي في كل تصرفات المسلم، فإن ذلك يقابله الالتزام الصادق من الله، بما وعد به المؤمنين الطائعين له، من دخول الجنة والعيش في رحابها بلا نهاية.

ولكن بالطبع إذا أخل المسلم بشروط العقد الإلهي، كلها أو معظمها، فسوف يكون عقابه أليما عند الله، وذلك لأن الإنسان المسلم قد اختار بمحض إرادته الدخول للإسلام، لذا وجب عليه اتباع آيات الله واجتناب نواهيه والتي اوردها في كتابه الكريم.

ونظرًا لأن المسلمين قد اقتصر التزامهم بالعقد المقدس على العبادات فقط، مما يعد إخلالًا خطيرًا في التقيد بكامل بنود العقد وشروطه، فقد أدى ذلك إلى إحداث خلل في العلاقات الإنسانية في المجتمعات العربية، حين دب الصراع بينهم والتقاتل وتوحشت النفوس وتحجرت القلوب ومات الضمير، مما أدى إلى تخلف العرب وهيأ الظروف باحتلال أوطانهم ونهب ثرواتهم واستغلت قوى الشر ذلك، في نشر الشائعات وخلق الفتن، بواسطة الروايات  والإسرائيليات وانشغل العرب المسلمون بالحروب فيما بينهم، وساهم عدم الأمن والاستقرار في مجتمعاتهم إلى الانصراف إلى حشد الجيوش بدلًا من التعليم والابتكار.

وبدلًا من أن تكون الأمة العربية، هي قاطرة الحضارة الإنسانية، فإن الواقع يختلف الآن كثيرا، وسط ما تقاسيه الأمة العربية من حياة الضنك والشقاء والتقاتل والتخلف في الماضي والحاضر، ويعد ذلك نتيجة منطقية لإخلالهم ببنود العقد المقدس، بينهم وبين الله، والذي احتوته آيات القرآن الكريم.

وقد وضع الله لهم قاعدة واضحة، في كتابه العزيز، تحدد لهم خارطة الطريق، وهي تتمثل في قوله سبحانه وتعالى: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بَصِيرا قال كذلك أتتك آيَاتنَا فنسيتها وكذلك الْيَوْمَ تنسى).

فهذا عدل في الحكم، وأمانة في الوعد، أوضحها الله في آيات كتابه الكريم، كما أنها تتضمن تحذير للمسلم في حالة إخلاله بشروط العقد المقدس، حيث تنص الآيات على أن الإنسان الذي يلتزم بالعقد بينه وبين الله، ويطبقه بالكامل، فسوف يلقى عند الله روح وريحان وجنات النعيم، ويقول لهم ربهم يوم القيامة ادخلوا الجنة بسلام.

ولو طبق العرب المسلمون بنود العقد المقدس كافة لاختفى من عندهم الظلم وحل العدل وتراجعوا فيما بينهم، وحفظت الأمانات وتحقق الأمن والاستقرار في المجتمعات وعاش الناس في أمن وسلام وأسسوا المدينة الفاضلة، على أرض الواقع في مجتمعاتهم.

كما أننا لن نكون حينها في حاجة إلى الشرطة والمحاكم المنتشرة في ربوع البلاد، لحل الأزمات والخلافات بين المواطنين في المجتمع الواحد، كما سوف يختفي الفقر والتسول وينتشر التعاطف بين الناس وتباروا في الإحسان وتنافسوا في فعل الخيرات.

ولكن للأسف فقد استطاع أعداء العرب من اليهود والمجوس والشيعة، أن يغيبوا عقولهم واختزلوا رسالة الإسلام في العبادات فقط دون المعاملات، فخسروا قيم الفضيلة وكرم الأخلاق التي يدعوا لها القرآن الكريم.

كما عصوا أمر الله في طلب العلم والقراءة، لتكون أساس نهضة الأمم ومن أجل تعويض ما فقدناه في الماضي وما حول التراث من سموم استحكمت في عقول المسلمين، وجعلتهم أشباه بشر اتسموا بالوحشية وحب الدماء وقتل الأبرياء، حتى أصبحوا يهددون الأمم الأخرى التي أصبحت تخشى من كلمة مسلم الذي تتجلى في التسمية السلام والرحمة.

فماذا يمكن أن نطلق على الذين ينشرون خطاب الكراهية؟!  ويشجعون على قتل الناس؟ أقل شيء يمكن أن يوصفوا به، هو أنهم بشر قد فقدوا إنسانيتهم، وعصوا ربهم، واتبعوا طريق الشيطان.

والسلام على من اتبع سبل السلام

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق