صيام رمضان في تشريع القرآن

ما أحدثه الفقهاء بعدها من ثرثرة وفتاوى كلها هُراء لا طائل من ورائه

أحمد صبحي منصور

مفكر مصري، وأحد رواد حركة القرآنيين التنويرية، الداعية إلى إحياء الخطاب الإلهي، والحد من توغل الخطاب الديني المشوه.
أحمد صبحي منصور

آخر أعمال الكاتب أحمد صبحي منصور (كل المقالات)

كان العرب يصومون شهر رمضان طبقًا لملة ابراهيم التي توارثوها جيلًا بعد جيل.

وبعد نزول القرآن الكريم اعتاد المؤمنون صيام رمضان بنفس التوارث المعتاد، ثم نزل تشريع الصيام في المدينة ليتحدث عن شهر رمضان الذي أصبح معروفًا للمسلمين بأنه شهر القرآن، فهو الذي نزل فيه القرآن مرة واحدة على قلب النبي محمد حين كان في مكة.

أول آية في تشريع الصوم قالت: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ» (البقرة: 183)

لم تشرح الآية الأولى معنى الصوم، وأنه الامتناع عن الطعام والشراب واللقاء الجنسي بالزوجة – كما تفعل كتب الفقه ـ والسبب بسيط هو أن العرب كانوا يصومون رمضان، بل وكانوا يتخذون منه عادة اجتماعية للهو واللعب بدون مراعاة للتقوى كما نفعل نحن الآن.

لذا تخبر الآية الأولى في تشريع الصوم القاعدة الأولى وهي تأدية الصوم كما اعتادوه بنفس ما كان في ملة إبراهيم (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) من الامتناع عن الأكل والشرب واللقاء الجنسي، وهوالذي كانوا يفعلونه أنفسهم في مكة قبل أن ينزل التشريع القرآني بهذا التصحيح والتنقيح، ثم تختم آية التشريع الأولى بتقرير إقامة الصوم في سلوك المؤمن عقيدة وسلوكًا أي أن يكون هدف الصوم هو التقوى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

 

تفصيلات تشريع صيام رمضان الجديد

بعد تقرير أن الصوم عبادة متوارثة ولا بد من مراعاة التقوى فيها تأتي الآيتان التاليتان بتشريع جديد لم يكن موجودًا من قبل، وهو في التيسير بإباحة الفطر في رمضان.

ولأنه تشريع جديد فقد جاءت تفصيلاته واضحة، بل وتكررت في آيتين متتاليتين توضحان السماح بالافطار للمريض والمسافر وحتى القادر على الصوم ولكن مع قضاء الصوم (للمريض والمسافر ) أو دفع الفدية لمن يفطر وهو يطيق الصوم أى يقدر عليه.

يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)» (البقرة: 183-185).

وكان الصوم المعروف المتوارث وقتها قبل نزول التشريع القرآني الجديد يبدأ بعد العشاء ويستمر طيلة الليل والنهار حتى مغرب اليوم التالي ليكون الإفطار مرحلة قصيرة هي ما بين المغرب والعشاء فقط.

وكانت هذه الفترة القصيرة لا تكفي إلا للطعام فحسب، ويأتي الليل فيضطر أحدهم لمباشرة زوجته بعد العشاء، أي في وقت يجب أن يكون فيه صائمًا.

 

آيات التخفيف من مشقة الصيام

ونزل التخفيف تشريعًا جديدًا مفصلًا في قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ» (البقرة: 187)

أي جاء التشريع الجديد بأن مباشرة الزوجة مباح في ليلة الصيام «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ» (البقرة: 187)

وهنا يخبر الله تعالى عن وقوع بعضهم في مباشرة الزوجة في ليلة الصيام حين كان واجبًا الصوم فيه، ويبشر الله تعالى بأنه عفا عنهم وتاب عليهم، وأنزل هذا التخفيف عليهم.

لذا جاء التشريع الجديد يقول للمؤمنين: «فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ» (البقرة: 187).

يأتي هنا تفصيل التشريع الجديد لوقت الإفطار في رمضان، حيث يباح الأكل والشرب واللقاء الجنسي بالزوجة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر، وظهور أول تباشير الضوء حين تتمكن العين المجردة من تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

آداب الاعتكاف في رمضان

توضيح مفصل في تشريع جديد يعقبه تشريع جديد آخر يتضمن تصحيحًا لتشريع قديم هو الاعتكاف في ليالي رمضان في المساجد «وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» (البقرة: 187)

إذ كانوا يعتكفون في المساجد رجالًا ونساء، وكان الزوج يعتكف مع زوجته في المسجد في ليالي رمضان، وكان يحدث لقاء جنسي بينهما وقت الاعتكاف، لذا نزل التشريع الجديد يحرم ذلك اللقاء الجنسي بالزوجة أثناء الاعتكاف الرمضاني في المسجد.

ذلكم هو بيان القرآن لما يحتاج فعلًا إلى بيان من تشريع جديد يعرفه الناس لأول مرة أو يوضح وجه الحق في تحريف أدخله الناس في تشريع سائد.

لذا اختتمت الآية بتقرير أن ذلك هو بيان القرآن للناس لعلهم يتقون: «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ»

وبالفعل فإن بيان القرآن الكريم في تلك الآيات القليلة احتوى على كل ما يلزم المؤمن في تشريعات الصوم.

وما أحدثه الفقهاء بعدها من ثرثرة وفتاوى وأحكام فقهية كلها هراء لا طائل من ورائه، لذا اختلفوا فيه وانشغلوا بهذا الاختلاف قرونًا وكتبوا فيه آلاف الصفحات عبثًا، ومن أسباب ذلك أنهم شرّعوا لأنفسهم ما يريدون في شكل أحاديث ، ثم صدَّقوا أكاذيبهم، فحجبوا عقولهم عن التفكير وعن التدبر في القرآن الكريم فلم يفهموا فلسفة التشريع القرآني ودرجاته.

وهم لم يكتفوا بالثرثرة، إذ ابتدعوا تشريعات ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، ونسبوها زورا للنبي محمد عليه السلام.

المصدر:

مقال «صيام رمضان بين الاسلام والفقه السني (1) صيام رمضان في تشريع القرآن» المنشور بموقع الحوار المتمدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق