لا خلاص إلا بالقرآن.. صفحات الماضي تحمل جراحًا غائرةً.. تنزف دماءً وأنينًا

- عودوا إلى القرآن قبل أن يبتلع الضياع ما تبقى من الأمة.. أجرأ نداء من علي الشرفاء - 1 يونيو، 2026
- أجرأ ملفات الحج والأضاحي.. هل أرادها الله رحمة أم مشقة؟! - 24 مايو، 2026
- من تقبيل الحجر إلى عبادة الأثر - 12 مايو، 2026
– علي الشرفاء الحمادي: الفتوحات وحروب الردة وقتال مانعي الزكاه.. انقلاب على آيات الرحمن
ـ الأقوال البشرية فتحت طريق الضلال أمام أهل السلطة والجاه.. فـسقطت الأمة في معارك وصراع طويل
يبدو أن صفحات الماضي تحمل بين طياتها جراحًا غائرةً لم تندمل.. جراح ما زالت تنزف دماءً وأنينًا.. جراح بدأت منذ اللحظة الأولى لغياب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
هجر المسلمون روح الرسالة ومسارها القويم.. هجروا القرآن. ثم.. ثم تمسكوا بأقوال بشرية ما أنزل الله بها من سلطان، ليفتحوا طريق الضلال أمام أهل السلطة والجاه على حساب الدين والإيمان بالله وآياته البينات.
وعندما كتب الأستاذ علي الشرفاء الحمادي مقاله «الانقلاب المبكر على القرآن.. وكيف ضاعت الأمة منذ اللحظة الأولى»، إنما أراد أن يفتح نافذة نور على أسئلةٍ حائرة: متى بدأ الابتعاد عن جوهر القرآن؟، وكيف تحول «النص الإلهي» من مرجعية حاكمة إلى «شاهد صامت» على ما يحدث من تغيير للهوية وعبث في السلوك؟
إذ يتحدث الأستاذ علي الشرفاء في مقاله عن قتال الزكاة وحروب الردة، ثم يعرج نحو فتوحات عرفت بـ«الفتوحات الإسلامية»، ويتحدث عن طقوس شكلية منفصلة عن أصل الحياة ومبتغاها. يكشف مسار الانقلاب على القيم الإلهية التي ضيقت على الناس، ثم أفقدتهم الطمأنينة وراحة البال، موجهاً دعوة عاجلة صادقة لاستعادة النور والعدل، والعودة لروح القرآن ونوره الإلهي.
فما جرى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يكن مجرد اختلاف سياسي، ولم يكن اجتهاد تاريخي، إنما كان هجر للتشريع الإلهي وسقوط مدوي في صراعات ومعارك خطفت مسار الأمة نحو ظلمات وجهل وصراع طويل.
تحدث الأستاذ علي الشرفاء عن قتال مانعي الزكاة، والذي كان بمثابة نقطة مفصلية في فهم العلاقة بين الإيمان والسلطة. فالزكاة عبادة بين العبد وربه، لا يملك أحد سلطة محاسبة الناس عليها سوى الله جل علاه، ومن هذا المنطلق يصبح القتال عليها وفق القراءة القرآنية نقض لحدود التكليف الإلهي، وتحويل الدين من علاقة روحية بين الإنسان وربه إلى أداة قسر وقتل بيد السلطة.
ثم ينتقل الحمادي في مقاله إلى «حرب الردة» والتي كانت اشبه بصراع على العقيدة، واختبار خطير لمبدأ الحرية الدينية. فالقرآن الكريم نصه الصريح يقرّ حق الإنسان في الإيمان واختيار العقيدة، ويؤكد أن الحساب مؤجل إلى الله وحده، إذ يقول المولي سبحانه وتعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) صدق الله العظيم.
تحويل« الردة” إلى جريمة دنيوية يُعاقب عليها بالسيف.. مصادرة مباشرة لحق قرآني أصيل، وإقحام للسلطة الدنيوية فيما لم يُؤذن لها به، إذ يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين) صدق الله العظيم.
أما «الفتوحات» تحت شعار نشر الإسلام،فيتعامل معها مقال الشرفاء الحمادي بوصفها أكثر محطات الانقلاب إيلاماً، فحين يُستخدم الدين غطاء للغزو، وتنهب ثروات الشعوب باسم الغنائم، تتحول الرسالة من دعوة قائمة على الحكمة والموعظة الحسنة إلى مشروع هيمنة يناقض جوهر القرآن، إذ يضع علي الشرفاء هذه اللحظة بوصفها بداية القطيعة الكبرى.. قطيعة مع قيم العدل والرحمة والسلام التي أُسّست عليها رسالة الرحمن، إذ يقول المولى سبحانه وتعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) صدق الله العظيم.
ومن هنا تتسع الدائرة.. فهجر القرآن لم يكن قرارًا واعيًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من التوظيف السياسي للدين، اختزل الإسلام في طقوس. وغياب قيمه السمحة عن السلوك البشري، فانفصل الإيمان عن الحياة، ووجد الإنسان نفسه ممزقًا بين عبادات شكلية وواقع قاسي يفتقر فيه إلى الطمأنينة وراحة البال.
وأحسب هنا أن «النصوص القرآنية» ليست مسؤولية عما آلت إليه الأمة، إنما الهجر والقراءات والروايات هي من صنعت لنا «إسلام منقوص»، وفرضته على الناس بوصفه الحقيقة المطلقة. وهنا تكمن قوة طرح علي الشرفاء، فهو لا يدعو إلى هدم الدين إنما إلى استعادته من التشويه، وإرجاعه إلى منبعه الأول القرآن الكريم «النص المقدس» المصان في اللوح المحفوظ، والذي لم يطاله تحريف أو تأويل.
إن رسالة الإسلام ستظل رسالة خالدة ستبقى مشروع إنساني شامل يقوم على العدل والمساواة ونبذ الاستعلاء وخدمة الإنسان مهما كانت هويته. وحين يعود القرآن مرجعية للسلوك الإنساني، يمكن للمجتمعات أن تستعيد أمنها وسلامها في الدنيا قبل الآخرة.
بدا مقال علي الشرفاء يحمل بين سطوره «رسالة حب وسلام».. رسالة يدعو فيها الناس -كل الناس- إل مراجعة المسلمات.
ثم يختتم بإعادة طرح السؤال الأخطر والأجرأ: هل ما نعيشه اليوم هو امتداد لرسالة «القرآن الكريم”، أم نتيجة الانقلاب عليها؟
اللهم إني قد بلغت.. اللهم فاشهد.





