في نساء كالرجال كلما كبرن تجنن
- حسن الظن وطن آخر .. - 27 أغسطس، 2026
- ماذا حدث لشارعنا الهادئ؟ - 22 أغسطس، 2026
- حين تعظم الشعائر في زمن الضجيج - 20 أغسطس، 2026
ما رصدته أخيرًا ليس حكمًا مطلقًا ولا تجنيًا على النساء ولا دفاعًا عن الرجال بل محاولة لفهم تحول مربك في السلوك الإنساني حين يغيب الميزان الداخلي وتضطرب العلاقة مع العمر والذات والزمن، فقد دعيت إلى لقاء جمع عددًا من الفنانات والإعلاميات، ممن يفترض فيهن الوعي والخبرة والحضور ، فكان المشهد صادمًا لا في المظهر فقط بل في السلوك واللغة والإشارات وكأن الزمن لم يضف حكمة بل انتزع الوقار. وما بدا لي أن بعضهن لا يواجهن التقدم في العمر بالنضج بل بالهلع، هلع من التلاشي و فقدان الضوء والخروج من المشهد، فتتحول الأنوثة من معنى إنساني راقٍ إلى عرض مرتبك، ومن حضور طبيعى إلى استعراض قلق، كأن الرسالة غير المعلنة -ما زلت هنا انظروا إلي لم أغب بعد-.
والأزمة هنا ليست أزمة امرأة ولا أزمة رجل؛ بل أزمة وعي حين يُقاس الإنسان بقيمته لا بما يملك من فكر، بل بما يملك من جسد وحين يصبح الجسد أخر ما يتبقى للتمسك بالاعتراف المجتمعي، يحدث الخلل ويختلط التحرر بالابتذال والجرأة بالفجاجة والحضور بالضجيج، وما قاله الفنان الراحل يحيى شاهين عن -بضاعة أتلفها الزمن- لم يكن إهانة للإنسان بقدر ما كان وصفًا موجعًا لحالة إنكار ،فالزمن لا يتلف البشر، الذي يتلفهم هو رفضهم للتصالح مع الزمن ورفضهم للانتقال الطبيعي من مرحلة إلى أخرى من مرحلة الجاذبية الجسدية إلى مرحلة الجاذبية العقلية، ومن فتنة الشكل إلى فتنة المعنى.
والمشكلة أن المجتمع نفسه شريك في هذه المأساة، مجتمع لا يصفق إلا للصوت العالي ولا يرى إلا الصورة ولا يمنح التقدير إلا لمن يثيره، فيجبر البعض على البقاء في دائرة المراهقة مهما تقدم بهم العمر خوفًا من النسيان وخوفًا من الخروج من السوق، بينما النضج الحقيقي لا يلغي الأنوثة ولا الذكورة، بل يحررهما ويجعلهما أكثر هدوءًا وعمقًا وحضورًا، فالإنسان لا يكبر حين يضيف سنوات إلى عمره، بل حين يضيف معنى إلى وجوده والجنون الحقيقي ليس في الكبر، بل في الهروب منه وفي التظاهر بأن الزمن لا يمر، وفي محاولة خداع المرآة والناس، بينما المطلوب فقط أن نكون صادقين مع أنفسنا، لأن الكرامة لا تهرم والعقل لا يتجعد والقيمة لا تسقط بالتقادم، وذلك هو الفارق بين من يكبر فينضج ومن يكبر فيتوه.





