حسن الظن وطن آخر ..
- حسن الظن وطن آخر .. - 27 أغسطس، 2026
- ماذا حدث لشارعنا الهادئ؟ - 22 أغسطس، 2026
- حين تعظم الشعائر في زمن الضجيج - 20 أغسطس، 2026
حين حطت الطائرة في مطار شارل ديجول تعلمت درسا صغيرا لكنه كبير المعنى
أن حسن الظن بالناس ينبغي أن يسبق سوء الظن بهم
كانت سيدة مسنة تجلس في المقعد المقابل لي وفجأة التفتت نحوي وقالت بصوت مرتفع
صفق معي ولنصفق جميعا لروعة وتمكن ابن بلدنا الطيار المصري
وللحق صفقت وكنت سعيدا
وحين هممنا بالخروج من الطائرة استوقفتني تحدثني عن حب الوطن وعن ضرورة أن نشجع كل مصري ونفرح بنجاحه كما يفعل الأجانب حين يساندون أبناءهم
ومن نبرة صوتها عرفت أنها الفنانة نبيلة عبيد فرحبت بها وتبادلنا كلمات قليلة ثم خرج كل منا إلى غايته
لكنها تركت خلفها سؤالا ظل يدق في رأسي
كم مرة نظرت إلى أمثالها من أبناء هذا الوطن بعين الاتهام فتصورت أنهم مجموعة منتفعة لا صدق عندهم ولا إحساس ولا وطنية وكأنني وحدي من يملك حق حب الوطن
وهنا كان العتاب لنفسي قبل غيري
عتاب لكل من اختطف الوطن ووضع نفسه حارسا على بوابة الوطنية يوزع صكوك الانتماء على من يشاء ويحجبها عمن يشاء
عتاب لمن تصور أن حب مصر امتياز طبقي أو شهرة أو منصب أو مال أو نفوذ
ولمن احتكر الوطنية حتى بدا وكأن بقية المصريين ضيوف على وطنهم
الوطن ليس شركة يملكها بعض أبنائه
ولا الوطنية بطاقة عضوية في ناد مغلق
ولا من حق أحد أن يقول أنا أحب مصر أكثر منك
مصر ملك لكل من أحبها بصدق
للعامل والبسيط والمثقف والفنان والغني والفقير ولمن يعيش في القصر ولمن يسكن في الحارة
وكل مصري له الحق أن يحب وطنه بطريقته ما دام لا يسرق حق غيره ولا يهين كرامته
ولعل المشكلة ليست دائما في هؤلاء الذين اختطفوا صورة الوطن وإنما فينا نحن حين صدقنا أن الوطنية يمكن أن تكون حكرا على فئة دون أخرى
كم نظلم الناس حين نحاكمهم بما سمعناه عنهم لا بما رأيناه منهم
وكم نخسر من الجمال حين نحول اختلافنا إلى كراهية ونحول الشك إلى يقين والاتهام إلى حكم نهائي
ليس معنى حسن الظن أن نكون ساذجين
ولكن معناه ألا نجعل الكراهية ميزاننا وأن نترك للإنسان فرصة أن يكشف عن حقيقته بنفسه
لقد صفقت يومها للطيار المصري
لكنني اكتشفت أنني كنت أصفق لدرس أكبر
أن مصر لا تحتاج أن نحبها وحدنا
بل تحتاج أن نسمح لبعضنا أن يحبها أيضا
فلنتوقف عن احتكار الوطن واحتكار الوطنية واحتقار المختلف
ولنترك لمصر أن تجمع أبناءها تحت راية واحدة
فالوطن الذي يتسع للجميع هو وطن
أما الوطن الذي يحتكره البعض ويقصي الآخرين فليس وطنا بقدر ما هو ساحة صراع على من يملك حق الكلام باسم الوطن.





