رؤى

الإنسان بين «الخطابين»

كيف يتناول الخطاب الإلهي والخطاب الديني «تعريف البشر»؟

د. عبدالسلام بنهروال
Latest posts by د. عبدالسلام بنهروال (see all)

 

وقد دلت عشرات البحوث العلمية الحديثة على أن الإنسان لا يمكن أن يتطور في صفاته الجوهرية، وأن التدخل الذي حدث لإنكار دور تلك الصفات هو المسؤول عما تعانيه الحضارة الحاضرة من عدم الاستطاعة في إيجاد صيغة متوازنة للحياة الإنسانية بينما ينظر الإسلام إلى الإنسان من حيث هو جوهر أصيل له رغبات ذاتية فطرية لا بد أن تشبع، وتحل مشاكلها في ظل مذهبية ربانية تنظر إلى الإنسان نظرة أصيلة لا عرفية، ولذلك نجد الشريعة الإسلامية تعالج مشكل الغرائز الإنسانية من مبدأ الاعتراف بها وبوجودها، فجانبها الروحي يحتاج إلى مخطط عبادي يملؤه، ويشعره بلذة العبودية لخالقه حتى لا يبقى تائها حائرا يعاني من الفصام، وجانبها الجنسي يحتاج إلى مخطط اجتماعي أخلاقي يضبط العلاقات الجنسية في المجتمع، ويحصرها في داخل الأسرة حتى لا يؤدي به ضغط الغريزة الجنسية إلى الدرك الأسفل من السلوك الحيواني غير المنضبط. وجانبها في غريزة الشبع يحتاج إلى مخطط اقتصادي يحافظ على التوازن المعاشي الذي يمنع انتقال المجتمع إلى حياة الترف من جهة، والجوع المهلك من جهة أخرى. وجانبها في غريزة الطموح الإنساني يحتاج إلى مخطط يحقق آدميته، ويثبت له حرية مهذبة مضبوطة حتى لا ينتهي إلى استعباد طائفة لطائفة أخرى وسحقها تحت مطرقة غريزة الاستعلاء والطمع، وكذلك كل غريزة من غرائزه لو دققنا النظر فيما شرع لها الإسلام لوجدنا أنه أراد المحافظة على جوهر الإنسان ممثلا في شمولية غرائزه التي تستوعب كيانه كله عن طريق خلق التوازن المطلوب بينها بحيث يأخذ بعضها برقاب بعض لأداء دورها كاملا في الحياة.

هذه الحقائق الفطرية في كيان الإنسان لا بد من إدراكها واعتبارها عندما نريد أن نخطط لتغيير الإنسان، أو لتغيير ما بالإنسان، فالإنسان كائن حضاري معقد جدا، له دوافع متنوعة، تؤثر فيها عوامل متشابكة ومختلفة عبر مراحله الاجتماعية المتتابعة وهذه العوامل منها ما هي فطرية جبلية، ومنها ما هي عوامل اجتماعية بيئية مكتسبة، ولا بد أن تخضع الدوافع الإنسانية إلى تربية شاملة متوازنة تراعي كيانه من حيث هو كل لا يتجزأ، وأي تجزيء للإنسان وفهمه في ضوء ذلك سيقود إلى خطأ علمي كبير يضيع كثيرا من الحقائق الطبيعية في حياته النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

وقد حدث في العصور الأخيرة طمس واضح لشمولية الإنسان ومعالمها الكلية بناء على دراسته دراسة مجزأة والنظر إليه من زاوية معينة، وسحب نتائجها على الكل الشمولي:

النظرة الكنسية: عندما نظرت إلى الإنسان من حيث هو كائن روحي كرد فعل عنيف على حيوانية ومادية النظرة الرومانية، أفقدت الإنسان توازنه، وحملته ما لا يحتمل، وحاولت قتل غرائزه، وتجاهلت واقعه الأرضي تجاهلا كبيرا.

والوضعية التي نادى بها أوجست كونت عدت الإنسان كائنا يستطيع أن يشكل قيمه بنفسه ويحولها إلى دين وضعي، يضبط حركته الاجتماعية، ولا حاجة بعد إلى الأديان والقيم القديمة في زعمه، ثم ظهر بعد قرن كامل من الصراع والتجربة أن الإنسان لا يستطيع أن يوجد القيم المجردة عن المصالح، لأن حب الإنسان لمصلحته موجه من جانبه الحيواني حال بينه وبين فهم الإنسان، من حيث معناه وشموليته، ومنعه من إيجاد تلك القيم المجردة التي تعبر عن المعنى الشامل لإنسانيته.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى