رؤى

الجاحدون

قابل النبى جحود قومه بشخصيته الاستثنائية

د.محمود خليل
Latest posts by د.محمود خليل (see all)

كان العرب يستمعون إلى كلام الله الذى نزل على النبى، صلى الله عليه وسلم، فيستوقفهم، فكلام الله كفيل باجتذاب كل صاحب عقل، كانوا يتأملونه ويعجبون به فى أحوال، لكنهم كانوا يرفضون الإيمان به، كانوا يصدقون محمداً أيضاً، لكنهم يجحدون بآيات الله.. قال تعالى: «فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ». المسألة إذن فى الجحود.

كلمة الجحود كلمة «مفتاحية» تفسر لك موقف أهل مكة وكبارها من رسالة الإسلام، فقد جحدوا نبوة محمد وأنكروها، رموه بالشعر والسحر والكهانة، وهم يجتهدون فى تفسير تأثيره على الناس، ورفضوا القبول بأن تأثير حضرة النبى منبعه اقتناع مَن آمن به بمحتوى رسالته، والإيمان بصدقه كرسول من عند الله.

أهل مكة جحدوا بنبوة محمد ورفضوا رسالته التى تساوى بين الناس جميعاً، وتجعلهم سواسية كأسنان المشط، وتؤكد أن الأفضلية بالتقوى وللتقوى، ففكرة المساواة تهد الأساس الأيديولوجى الوثنى الذى يرتكز عليه المجتمع ككل، الأيديولوجيا التى كانت تعتمد على إعلاء «الغرانيق العلا» كمعادل موضوعى لسادة مكة، وتحقر من شأن الضعاف والعاديين، ولا ترى فيهم أكثر من عبيد، كل فرد من أبناء مكة أو من جماعاتها فى ذلك الوقت كان يرى فى صنم معين من الأصنام رمزية معينة، فهناك مَن كان يرى نفسه فى هبل، ومن يرى نفسه فى العزى، ومن يرى نفسه فى اللات وهكذا؛ لذا فقد وصف القرآن موقف أهل مكة من الدفاع عن وثنيتهم ضد دعوة التوحيد التى تساوى ما بين البشر فى قوله تعالى: «وانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ».

رفض أهل مكة لمحمد ورسالته كان ينبع من نظرة إلى دعوته كدعوة سياسية وليست دينية، ونظرة إليه كزعيم سياسى وليس كنبى مرسل من السماء. فى الأول والآخر أصر كبار أهل مكة على النظر إلى الرسالة والرسول على هذا النحو، ولعلك تذكر أن كبار أهل مكة عرضوا على النبى أن يملِّكوه عليهم، إذا كان يريد ملكاً، وكيف أنه اجتهد صلى الله عليه وسلم لحظتها فى أن يبين لهم الفارق بين النبى والزعيم.

لقد ظل كبار المكيين طيلة 23 سنة يعتبرون أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، يستهدف أن يكون ملكاً على العرب، وظل أكبر غرنوق مكى، وهو أبوسفيان بن حرب، ينظر إلى النبى كشخص يريد المُلك، وقال للعباس -عم النبى- يوم فتح مكة: لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيماً، ورد «العباس»: إنها النبوة وليس الملك. فقد ظل أبوسفيان يجحد نبوة محمد حتى آخر لحظة قبل إسلامه، وعندما طولب بأن يشهد أن محمداً رسول الله قال: أما تلك ففى النفس منها حاجة.

عبر سيرته، صلى الله عليه وسلم، قابل النبى جحود قومه بشخصيته الاستثنائية، الشخصية التى تكاملت فيها معانى الجدية فى تبليغ دعوة التوحيد، والوفاء بعهد السماء، والحرص على قومه، والصبر على المكاره، والرأفة والرحمة بالعباد.. وصدق الله العظيم إذ يقول: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رحِيمٌ».

نقلًا عن الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى