- التقوى.. وأبواب اليُسر - 7 يوليو، 2025
- الجاحدون - 21 مايو، 2025
- المرأة والأصوات الزاعقة - 16 مايو، 2025
لعلك تتابع الصوت العالي -الزاعق أحياناً- المدافع عن حقوق المرأة والمنادي بحمايتها من تغول المجتمع الذكوري عليها.. الدعوة إلى ما يوصف بـ«تمكين المرأة» مسألة قديمة متجدّدة، وتعود بجذورها إلى المؤتمر العالمي للمرأة في بكين، الذي انعقد عام 1995، وأوصى بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، ومواجهة أي تمييز ضد المرأة، ومحاربة أي نوع من العنف الذي يمارس ضدها.
منذ ذلك الحين وهناك تفاعلات عدة يشهدها المجتمع المصري، والكثير من المجتمعات العربية الأخرى، لإعادة النظر في أوضاع المرأة ومنحها جميع حقوقها وعدم التمييز بينها وبين الرجل. بعض هذه التفاعلات أحياناً ما يأخذ شكلاً موضوعياً، حين ينصرف إلى حماية حقوق المرأة المطلقة والمرأة المعيلة والغارمة، وإقرار حق المرأة عموماً في المشاركة المتساوية مع الرجل في جميع المجالات، وحقها في نيل ما تستحقه من مناصب دون تمييز وغير ذلك. وفي أحيان أخرى كانت التفاعلات تأخذ شكلاً زاعقاً، بالدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث والشهادة، أو الدعوة إلى تمكين المرأة من قيد الأطفال باسمها (السنجل مازر).
المشكلة أن الصوت الزاعق يغلب -في كثير من الأحيان- الصوت الموضوعي، فتضيع الحقوق المنطقية للمرأة في زحمة اللغط الذي يثيره أصحاب الأصوات الزاعقة. فما أسهل أن يستنفر المجتمع ككل بمجرد سماع أحاديث عن المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث والشهادة، مع وجود نصوص قرآنية قاطعة الدلالة تؤكد غير ذلك، أو سماع أحاديث أخرى عن نسب الطفل إلى الأم في تقليد لم تعرفه ثقافاتنا المحلية.
دعني أضرب لك مثالاً توضيحياً على المعالجة الزاعقة من خلال موضوع «المرأة المطلقة»، التي يتفق الجميع على أنها تحتاج إلى أقصى درجات الدعم الاجتماعي، في ظل حالات شاذة يحاول فيها الرجل التغول على مطلقته وحقها وحق أولادها. البعض يواجه مشكلات «المطلقة» عبر الهجوم على الفقهاء، أو الغمز واللمز في تشريعات الأحوال الشخصية الإسلامية، وغير ذلك. هذه المنهجية تؤدي إلى استفزاز المجتمع فتزيد المشكلة تعقيداً في الوقت الذي يزعم فيه أصحابها أنهم يستهدفون الحل.
أذكر أنني كتبت عن مقترح تقدم به الدكتور جابر جاد نصار يدعو فيه إلى تقييد الطلاق -في حالة وجود أولاد- بوثيقة تسجّل بحضور الزوجين أمام المأذون أو القاضي أو الموثق تحفظ حقوق الطرفين وتحافظ على حقوق الأولاد (نفقتهم، تعليمهم، علاقتهم بوالديهم، وكل ما يرتبط بذلك)، على أن يكون للوثيقة قوة السند التنفيذي المباشر.
ففي حالات الطلاق غالباً ما يدفع الأطفال ثمن خلافات لا علاقة لهم بها. فكم من نزاعات تحدث بين أزواج الأمس بسبب الإنفاق على الأطفال، وعادة ما تنتقل في مراحل مبكرة منها إلى ساحات القضاء لتزيد الأعباء على مؤسسة العدالة. فكل حادثة طلاق تحمل في أحشائها قضية أو أكثر. فما المانع إذاً من هذا الحل العملي الذي يواجه المشكلة عند المنبع؟.
في حدود علمي أن القانون يعطي للزوجة الحق في أن تشترط على زوجها -في وثيقة الزواج– ألا يخرجها من بلدها، أو أن يسكنها في بلد معين، ومنع زوجها من السفر خارج البلاد إلا معها، ويجوز لها أيضاً أن تكتب ألا يمنعها من العمل أو الدراسة، بالإضافة إلى كتابة الضمانات التي تكفل لها حقوقها المالية. إذا كان ذلك يتم في الزواج حماية لحق المرأة.
هناك فارق بين التناول الموضوعي للمشكلات الاجتماعية، والتناول الصحفي لها، بصورة تهدف إلى إحداث الإثارة أو الفرقعة الإعلامية التي لا يستفيد منها إلا صاحبها، لتزداد المشكلة تعقيداً بدلاً من أن تحل.
الوطن





