- التقوى.. وأبواب اليُسر - 7 يوليو، 2025
- الجاحدون - 21 مايو، 2025
- المرأة والأصوات الزاعقة - 16 مايو، 2025
من السمات الأخرى للمجموع الذى فقد عقله «الشك فى الأمور شديدة الوضوح»، حتى لو كانت الشمس التى تسطع فى رائعة النهار. والشك فى هذه الحالة ليس من حسن الفطن، بل مسألة ناتجة عن حالة التشوش التى يقع فيها أفراد هذا المجموع، فتزييف الواقع وحشده بالمعلومات المبتورة وغير الدقيقة يؤدى إلى اختلال النظرة إليه، والطيش فى تقييم حاضره والزيغ فى توقع مستقبله.آيات قرآنية عديدة عبّرت عن حالة الشك فى الأمور الواضحة كسمة من سمات المجموع الذى فقد عقله.
من بينها على سبيل المثال الآية الكريمة التى تقول: «قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»، وهى تقدم نموذجاً لبشر تبدو الحقيقة أمامهم واضحة ومع ذلك ينكرونها، فالمشركون من أهل مكة عرفوا النبى، صلى الله عليه وسلم، لمدة 40 سنة لم يسمعوا منه خلالها أى حديث يشبه القرآن الكريم، لم يتل عليهم آياته إلا بعد أن نزل عليه الوحى برسالة الإسلام.
أى عقول تلك التى تنكر الحقائق الواضحة؟ نموذج آخر تجده فى قصة نبى الله «هود» حين قال لقومه: «يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ».
كان «هود» يدعو قومه إلى الحقيقة ولا يطلب منهم أى شىء مقابل ذلك، بل كان يدفع هو الثمن ويتحمل سخريتهم ومطاردتهم وقهرهم له، لقد كان مثالاً للرجل الذى يحمل قضية يؤمن بها ويسير وسط قوم معارضين له وغير متقبلين ما يدعو إليه ويتحمّل سخافاتهم، ولا يبغى من وراء ذلك جزاء ولا شكوراً.
أى عقل هذا الذى يشكك فى إنسان تشهد كل أقواله وأفعاله على أنه صاحب قضية وليس باحثاً عن مصلحة؟حالة أخرى من حالات الشك غير المبرر الذى يسود داخل المجتمعات التى فقدت عقلها ترتبط بتعطيل التفكير والعزوف عن النظر والاعتبار بما عانته مجتمعات أخرى شبيهة عندما باعت عقلها..
يقول تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ».
لقد أحال القرآن الكريم أهل مكة إلى تجارب الأمم السابقة مع رسلهم، وتأمل كيف عاقب الله تعالى العاصين منهم والمصرين على إفساد الأرض وتخريب الحياة بأشد العقاب، وكيف نجا فقط مَن آمن بقيم الدين فى التوحيد والعدل والإنسانية ورفض الاستعباد.
الاعتبار بتجارب الحياة يمثل جانباً مهماً من جوانب الفكر العقلانى، تلك حقيقة علمية يتوافق عليها كل أصحاب العقل، فالتجربة هى خير برهان، فإذا جرب مجتمع من المجتمعات أشخاصاً أو أفكاراً أو أساليب حياة أو مناهج إدارة ولم تحقق النتائج المرجوة، فعليه أن يعتبر وأن يجرب غيرها.
والمثل العربى يقول «اللى يجرب فى المتجرب عقله مخرب».كيف لصاحب عقل سليم أن يشترى الضلالة بالهدى؟
نقلًا عن الوطن





