رؤى

«وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ»

توجيه إلهى جليل لكل صاحب عقل

د.محمود خليل
Latest posts by د.محمود خليل (see all)

فساد البطانة من السمات الأساسية التى تميز المجتمعات التى فقدت عقلها، فقليل العقل ومحدود الفكر يختار بطانته من بين الأسوأ فى الأغلب، من المفلسين فكرياً أو معدومى الكفاءة. يقول الله تعالى فى محكم آياته: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ».

تشتمل هذه الآية الكريمة على توجيه إلهى جليل لكل صاحب عقل، حتى لا يقع فى مربع «الرعونة والعبثية»، ويحذر من الركون إلى بطانة السوء عند المشورة أو إدارة الأعمال، فأمثال هؤلاء لا يريدون بالمجموع إلا الإفساد والتخريب، وهم يمارسون عليه أعلى درجات المكر والخديعة والتضليل ويوهمون الناس بأنهم يعملون من أجل الصالح، فى حين أنهم يعملون على قدم وساق من أجل تدمير الواقع، فكل هدفهم فى الحياة هو إعنات المجموع وتسكينه فى مربع المشقة والتعب والإرهاق، تستطيع أن تستدل على ذلك من كلامهم وما يلوكونه بألسنتهم من كلمات تنطق بالكراهية والبغضاء والرغبة فى التنكيل بمن حولهم، ومؤكد أن ما تخفيه صدورهم من مخططات لتدمير المجتمع أكبر، وقد يظهر ذلك للمجتمع حين يُقرّر مواجهتهم وينزع الغطاء عنه، فيتكشف للناس الخراب الذى أحدثوه.

فالناس لا ترى من تجارب التخريب إلا ما يبدو على السطح، وحينما يختفى من يقفون وراءه تتجلى الحقائق المرعبة، وما أحدثه هؤلاء فى الواقع.

المجتمعات التى فقدت عقلها عادة ما تظهر فيها بطانة من هذا النوع، فمن يُعطل عقله عن التفكير يصبح من اليسير السيطرة عليه من جانب من يريد أن يضره، أما من يملك عقله فلديه القدرة على التمييز بين من ينفعه ومن يضره، إنه يدرك بسهولة الدور الذى تلعبه بطانة السوء فى تخريب المحيط العام الذى يعيش فيه، ويبادر مباشرة إلى التخلّص منهم، وإنقاذ الواقع من أيديهم. أخطر ما تفعله بطانة السوء فى المجموع الذى فقد عقله أنها تُؤلب بعضهم على بعض، مما يؤدى إلى الانقسام بما يتبعه من مشاحنات قد تصل إلى حد العداء.

المجموع الذى يصل إلى هذه المرحلة يوشك أن يتحول إلى قطيع من المخلوقات التى تجيد الانطلاق بأصواتها، فما إن يعلو صوت حتى يعلو صوت ثانٍ ثم ثالث ثم رابع وهكذا، حتى يستحيل المشهد إلى صراخ، فبطانة السوء تعلم المجموع الذى فقد عقله أن التعبير عن البغضاء لا بد أن يتم بالصوت العالى والصراخ أولاً: «قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ»، بعدها تبدأ المخالب فى الظهور وتنطلق حفلات الصراع، حتى يمزق المجموع بعضه بعضاً.

والذنب فى الأول والآخر ذنب المجموع الذى ارتضى بالركون إلى الأقل أخلاقاً وكفاءة والأكثر بغضاً وظلماً لهم.. قال تعالى: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ».

نقلًا عن الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى