رؤى

الإنسان بين «الخطابين»

كيف يتناول الخطاب الإلهي والخطاب الديني «تعريف البشر»؟

د. عبدالسلام بنهروال
Latest posts by د. عبدالسلام بنهروال (see all)

 

أما الحقيقة الثانية التي تشكل الجزء الأخير من هوية الإنسان في الخطاب الإلهي فهي أن الإنسان هو ذلك المخلوق المكرم على سائر المخلوقات الأخرى. أمر الله الملائكة بالسجود له وهو سجود تعظيم لا سجود عبادة، وشرفه بالخلافة على هذه الأرض عندما أراد ان يجعله مظهرا لعدالته تعالى وحكمه، وأنه الحيوان الوحيد الذي جهزه الله بالعقل والتفكير والبيان، والقدرة على إدارة الأمور، ولتوضيح هذه الحقيقة نتجول قليلا في رحاب القرآن الكريم ونقرأ قوله تعالى:

“ولقد كرمنا بني آدم…” الإسراء 70

“وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا” البقرة 24.

“وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” البقرة

“وعلم آدم الأسماء كلها” البقرة

نتساءل هنا عن كيفية تآلف هاتين الحقيقتين ضمن هوية واحدة للإنسان؟ وما وجه تركيز القرآن الكريم على كل منهما؟ وما هو أثر تنبيه الإنسان إلى اتصافه بكلتا هاتين الحقيقتين؟

حول هذه الأسئلة يقول رمضان البوطي رحمه الله: إن الإنسان مهما بلغت مرتبته من السمو ومهما اتصف به من المزايا والصفات النادرة فإن ذلك ليس نابعا من ذاته أو اكتسبه بجهده، واستقلال طاقته، وإنما جاءه فيض من الله عز وجل، وأمانة استودعت عنده إلى أجل. أما تكوينه الذاتي فمن تراب تافه، ثم من ماء مهين، ثم هو مخلوق عاجز، في قبضة الله وحكمه وقد أطبقت عليه آثار العبودية لمن بيده خلقه وتدبيره، إن لم يقر بذلك لسانه طوعا، آمن به كيانه وواقع حاله قسرا، غير أن الله عز وجل لما شاء أن يختاره لعمارة هذه الأرض وكلفه بتأليف أسرة إنسانية تعبد الله وتقيم حياتها على منهج شريعته الربانية، جهزه بملكات نادرة، وميّزه بصفات سامية لم توجد في غيره، فأعطاه العقل والتفكير، وسخر له كثيرا من المخلوقات، وغرس في كيانه شعور حب الذات والإحساس بالأنانية، هذه الصفات ليست في حقيقتها إلا فيوضات من صفات الربوبية أنعم الله بها على هذا المخلوق ليستعين بها في أداء رسالته، وتحقيق خلافته على الأرض. وإذن فالإنسان في كينونته عبد مملوك لله عز وجل، خلق من ضعف، وينتهى إلى ضعف ولكنه نظرا للرسالة الإلهية التي حملها يتمتع بصفات نادرة، جهزه الله بها فاستحق بموجبها الرفعة والتكريم إن هو استعمل تلك الصفات على وجهها وفيما أهلت له.

وأما وجه تركيز القرآن على كل من هاتين الحقيقتين معا، والاستمرار في تذكير الإنسان بضالته وتفاهة أصله إلى جانب تذكيره بالمكانة التي يتبوأها، وبأهمية وجوده، وخطورة الصفات النادرة التي ركبت فيه، والوظيفة التي كلف بالنهوض بها؟ لأنه تربى في ظلال هاتين الحقيقتين معا. فمن عاش وهو لا يرى من نفسه أو ذاته إلا مظاهر ضعفها، ودلائل تفاهتها وهوانها جدير به أن يركن إلى ضعف يجعله ضحية طغيان الجبابرة، والمتكبرين، ويبعده عن إنجاز أي عمل أو خدمة إنسانية مما قد حمله الله تعالى مسؤولية النهوض بها في سبيل عمارة الأرض، وإنشاء الحضارة الإنسانية المطلوبة، ومن عاش وهو لا يرى من نفسه إلا أنه الإنسان المكرم الذي لا يملك من المزايا والصفات ما يخوله أن يبسط لنفسه حكما وسلطانا على كل ما حوله.. جدير به أن يسكر بنشوة تلك الصفات التي ليست في الواقع إلا فيوضات إلهية ثم أن يجعل من نفسه حاكما من دون الله عز وجل، يبسط قهر ربوبيته الزائفة على سائر المستضعفين.

وإذا تأملنا الخطاب الإلهي وما يتضمنه من تبصرة وإرشاد وتعليم، فإننا نراه يدور على محور هذا الهدف فهو يهيب بالإنسان أن يدرك هويته، ويتعرف ذاته، ويقيم سلوكه على أساس منسجم ومتين مع هذه المعرفة: فلا يذل أو يهون لغير الله الذي بيده حياته وموته، ونفعه وضره، ولا يرتدي كسوة الكبر والطغيان، وهو يعلم أنه ليس إلا عبدا مملوكا لسيده الذي خلقه.

الإنسان إذن كائن مكلف خلقه الله وأودع فيه دوافع فطرية تعبر عن تكوينه الخاص الذي تتفرع عنه غرائزه.. ولا يمكن للزمن أن يبدل أو يقتل تلك الغرائز والنوازع الفطرية فهي أصيلة في الحياة الإنسانية، فالإنسان هو الإنسان من حيث تلك الصفات الجوهرية التي قررها القرآن في سورة الروم.. “فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله” الروم 30.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى